مازن بلال
لم تعد العقوبات مسألة شائكة على مستوى البحث السياسي، فوزير الخارجية السوري في الحكومة الانتقالية تحدث بأن إزالة العقوبات "مسألة وقت"، لكن الصورة الدبلوماسية التي أنتجتها الأزمة السورية لا تزال عالقة في مساحة رمادية، والتحركات الدبلوماسية كافة تحتاج إلى نظرة مختلفة خارج إطار الضخ الإعلامي، خصوصاً أن "العقوبات" أصبحت رهينة الموقع السوري إقليمياً، وخرجت من إطار المسائل الإنسانية أو التعثر الاقتصادي.
عملياً فإن الوضع السوري يقع حالياً ضمن دائرة البحث الإقليمي الذي رسم البلاد وفق "نقاط التأزم"، فظهور سلطة جديدة لم يغير من نقاط التوتر إنما بدل من موقعها داخل الخريطة، فالأزمة السياسية في الشمال الشرقي تحولت إلى نقاط اشتباك، والاعتراضات السياسية في الجنوب أصبحت جبهة عسكرية، بينما تحولت العقوبات إلى نافذة لبحث سلة اتفاقات بين دمشق وواشنطن، فالتوتر الدولي الذي وسم المسألة السورية منذ بداية عام 2011 انتقل إلى توطين الأزمات وتحويلها إلى نقاط اشتباك عسكري.
ضمن الواقع الحالي المختلط بين توترات داخلية ونشاط دبلوماسي نشط كان آخره زيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع واشنطن، أصبحت سوريا محاصرة بجملة من الشروط الإقليمية والدولية المختلفة كلياً عن كل ما نتج عن قانون قيصر، فإلغاء هذا القانون أو بقاؤه لم يعد يعني سوى التحول داخل الأزمة السورية نفسها، في حين ظهرت أبعاد جديدة مرتبطة بحالة سوريا الوظيفية داخل النظام الإقليمي.
وفق الإيقاع الحالي فإن التحركات الدبلوماسية تعيد تعريف الموقف من دمشق، فالمفاوضات التي أُجريت في الأشهر الماضية بين العواصم الغربية وبعض الدول العربية تركز على سؤال مركزي؛ ما شكل سوريا المقبول في المرحلة القادمة؟ هذا السؤال لا يتعلق فقط بتركيبة السلطة؛ بل بالوظيفة السياسية التي يمكن أن تؤديها دمشق في توازنات الإقليم، خصوصاً في مسألة التسوية مع "إسرائيل"، وهذا يفسر كم التصريحات عن "التفاهمات الأمنية" بين دمشق و "تل أبيب".
الخطاب الدولي اليوم يتجه نحو صيغة "الاحتواء الهادئ" وتحاول واشنطن خلق مساحات تواصل انتقائية تسمح بالحفاظ على نفوذها من دون الاضطرار إلى التعامل بحدية مع الأزمات العالقة خصوصاً في الجنوب السوري أو في الشمال الشرقي، بينما تعتمد سلطات دمشق سياسة "التحييد الانتقائي"، والدخول في مسارات محددة من دون التزام نتائج سياسية شاملة لكسب الوقت، وإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بالدرجة الأولى، فهي تعالج المسائل الخاصة بها من زاوية تحقيق إنجازات اقتصادية من دون الدخول بالتعقيدات السياسية المفروضة عليها.
المسألة السورية اليوم تركز على إعادة تعريف الدولة السورية ضمن توازنات إقليمية جديدة، فالصراع على السلطة أصبح من الماضي، بينما يتم البحث في الوظيفة السياسية، فأي سوريا يريدها العالم؟ دولة مواجهة، أم دولة عبور، أم مجرد منطقة نفوذ متداخلة؟ وبين العقوبات والمفاوضات، تبقى سوريا في قلب معادلة لم تُحسم بعد، لكنها ترسم ملامح نظام إقليمي جديد يتشكل على أطرافها.
أي سوريا يريدها العالم؟ دولة مواجهة، أم دولة عبور، أم مجرد منطقة نفوذ متداخلة؟


