رأي - أيهم أسد
تتجلى التأثيرات السلبية لبنية السوق الاحتكارية في سوريا بوضوح في قرارات وزارة الطاقة برفع أسعار الكهرباء وفي قرار شركة الاتصالات الخلوية في رفعها أسعار باقات الاتصالات رفعاً كبيراً جداً أيضاً، ذلك الرفع الكبير في الأسعار حدث بفعل القوة الاحتكارية للمؤسستين العامة والخاصة كلتيهما والمحتكرتين لسلعة وخدمة أساسيتين للمستهلكين في سلوك انفرادي يعبر عن قوة الهيمنة الاقتصادية مثلما يعبر عن غياب أي ضوابط حقيقية لردع تلك الإجراءات التسعيرية، وخاصة أن لا بوادر حقيقية للتراجع عن قرارات التسعير الجديدة على الإطلاق.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الحكومة الانتقالية السورية في خطابها الاقتصادي إلى نموذج الاقتصاد الحر التنافسي، وتروج أن ما تفعله ينسجم مع توجهاتها تلك نجد أن سياسة التسعير الجديدة هي أبعد ما تكون عن بنية اقتصاد وطني تنافسي؛ بل تظهر حالة هيمنة مطلقة من مؤسسات عامة وخاصة؛ إذ تظهر بنية قطاع الكهرباء حالة احتكار مطلق، في حين تظهر بنية سوق الاتصالات حالة احتكار ثانٍ وهي حالة خاصة من حالات الاحتكار المطلق.
لا يظهر اقتصاد السوق التنافسي بأي حال من الأحوال حالة الفوضة السعرية، كما لا يظهر بالوقت نفسه حالة الضعف الحكومة إزاء سلوكيات قطاع الأعمال ضمن أي ذريعة كانت، كما أنه لا يظهر بأي شكل من الأشكال حالة عدم العدالة بين الأجور وتكاليف المعيشة أو بين الأجور وأسعار الخدمات الأساسية، مثلما لا يظهر أبداً حالة ابتعاد الدولة عن النشاط الاقتصادي.
وبالوقت نفسه يظهر اقتصاد السوق التنافسي حالة توافق الجودة مع السعر وحالة استدامة تقديم السلعة أو الخدمة واستقرارها، كما أنه يظهر حالة قياس تكاليف الإنتاج الحقيقية للسلعة أو الخدمة وتحليل أسباب ارتفاعها الحقيقية وإصلاح بنية التكلفة العالية من دون تحميلها للمستهلك النهائي، وبالتالي تأتي عملية تسعير السلع والخدمات ضمن بنية اقتصاد السوق التنافسي نتيجة لتفاعل وتوازن عدد كبير من المتغيرات بين المنتجين والمستهلكين والحكومة، فيتم تحديد سعر عادل للسلعة أو الخدمة يحفظ حقوق المنتجين والمستهلكين والدولة بالوقت نفسه، لا أن تأتي عملية التسعير بطريقة أحادية وفوقية ومتجاهلة كل الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمستهلكين ولا تحقق إلا مصلحة من يسعر فقط من دون سواه، كما أنها وفي أسوأ الحالات تكون عملية تدريجية لا عملية تحدث بأسلوب الصدمة، وتكون عملية معروفة التأثيرات والنتائج النهاية في الاقتصاد والمجتمع كلك.
إن المنطق المؤسسي الذي اشتغلت فيه وزارة الطاقة وشركة "سيرتيل" هو منطق يتنافى مع بنية اقتصاد سوق تنافسي ويستند إلى منطق "المحتكر" المتفرد بقرارات السوق والمستهتر بالمستهلك وظروفه، والمحمل فشله التشغيلي للحلقة الأخيرة، والمحاول أن يبرر جمع المال من الناس من أجل تطوير السلعة أو الخدمة، وإن الاستمرار بالعمل وفق منطق السابق لن يقود الاقتصاد إلا إلى مزيد من التراجع والفشل.
المنطق المؤسسي الذي اشتغلت فيه وزارة الطاقة وشركة "سيرتيل" هو منطق يتنافى مع بنية اقتصاد سوق تنافسي ويستند إلى منطق "المحتكر" المتفرد بقرارات السوق والمستهتر بالمستهلك وظروفه.


