رأي - نضال الخضري
تصنيف التاريخ مأزق حقيقي في المناهج السورية بعد التعديلات التي طرأت على بعض المعلومات، فالأزمة أنه يرمي الطالب ضمن تقييم غير مألوف "لحياته السورية" التي كانت تنقله في متحف كبير ما بين الجنوب والشمال والشرق والغرب، فنحن اعتدنا رؤية التاريخ في الآثار التي تخرج لنا من كل زاوية داخل المدن أو القرى، وتآلفنا مع حالة الامتداد الحضاري التي نعيشها، فهناك امتداد داخل عقولنا يتم اليوم كسره بمعلومات صغيرة لكنها تعبر بنا إلى عالم مجهول.
في التعريف البسيط هناك قفزة معرفية بين الحديث عن الأوثان والتماثيل، فالأولى حالة من التقييم ترفع داخل النفوس وتيرة العصبية، والثانية تفصيل خاص لمجرى الحضارة البشرية التي تركت لنا فنوناً مختلفة بصرف النظر عن العقائد الدينية، فالمسألة ليست استبدال مصطلحات؛ بل محاولة تهديم طريقة تفكيرنا بالماضي، ووسم حضارات سورية قديمة بنوع من الفرز الديني يكسر عند الأجيال الجديدة الطابع الحضاري لأرضهم، وامتداد "المكان السوري" التاريخي.
نحن أمام مفارقة غير مسبوقة في مسار المناهج لأطفال سوريا، فإذا كان الخلاف سابقاً في طبيعة المناهج وملاءمتها الطلاب، فإننا اليوم نواجه تحدي رسم تفكير الطالب بدلاً من وضعه في حالة تحفيز فكري تجاه علوم التاريخ أو باقي العلوم التطبيقية، فعملية فرز الحضارات ستقودنا لاحقاً إلى موقف جديد حتى من العلوم التي ترسم مسار حياتنا المعاصرة، والبداية هي من رسم ملامح عالم يتوزع فيه البشر على أرض تصارع حالة من "الإيمان"، بينما التاريخ هو واقع مضى ومسار حضاري ممتد إلى مرحلة ما قبل ظهور الأبجدية.
في سوريا هناك ما هو أهم من تصنيف الحضارات التاريخية إلى "وثنية" أو غيرها من التعابير المجانية، فالطالب يحتاج اليوم إلى حرية تفكير وليس إلى تقييد بانحياز ينافي العلم، ويجعله ضمن إطار ضيق داخل "سلم للقيم" لا يمكن تطبيقه على حركة التاريخ على الأقل، فأجيالنا الجديدة التي تحمل عبء التفكك الاجتماعي ستتحمل حالة تقسيم جديدة، وستحمل منهج تصنيف المجتمع السوري نفسه وفق النموذج الذي يقدم لها في مناهج التدريس.
ما يحدث هو حالة "خنق ثقافي" مبكر، يكسر الإيقاع السوري الاعتيادي في التعايش مع التنوع القديم، ويترك الأجيال أسيرة نمط واحد في رسم مستقبلها، فحتى الإنتاج الثقافي سيصبح ضمن معايير الفرز التي تقدمها المناهج في المدارس، فالقطع الحضاري الذي يُمارس اليوم هو تقليص لمساحة المعرفة التي وسمت الحياة البشرية عموماً، وجعلت من سوريا نقطة التقاء حضارية منحتها هويتها الحالية.
ما نعيشه اليوم هو تغيير عميق في بنية التفكير التي يتم نقلها إلى الأطفال بالدرجة الأولى، فالمناهج الجديدة لا تكتفي بإعادة صياغة المعلومات؛ بل تعيد تعريف المفاهيم نفسها التي شكلت وعي الأجيال عقود طويلة، فلم يعد التاريخ مادة للتأمل في الماضي؛ بل أصبح ساحة للتجاذب بين قراءات متعددة، بعضها يسعى إلى تثبيت هوية دينية أو سياسية، وبعضها الآخر إلى إفراغ الذاكرة الجمعية من عناصرها الأكثر تنوعاً، فلا نخسر التفكير العلمي _الفلسفي فقط؛ بل شخصيتنا على امتداد تاريخي طويل خالٍ من التصنيفات، ومن التمييز الذي يخلق التعصب تجاه الآخر.


