هاشتاغ
بحث

"ابن تيمية" .. الفقيه الذي طال زمنه أكثر مما ينبغي

25/11/2025

سعد-لوستان

شارك المقال

A
A

رأي ـ سعد لوستان


كل مرة تشتعل فيها هذه البلاد يعود اسم ابن تيمية كأنه جزء من النار نفسها لا من التاريخ، وحين تصبح فتوى قديمة قدراً معاصراً يتحول صمت أهل العلم إلى فراغ ينمو فيه التطرف لا الفهم، وحين آثر كبار علماء السنة وأهل الجماعة تجنب هذا الملف الحساس تُرك الناس وحدهم في مواجهة إرث لم يُقرأ بشجاعة كما يجب، لذا أفتحه الآن لا خصومة، بل تفكيكاً لسياقه التاريخي والفكري والصراعي، لأن المشكلة لم تكن فقهية فقط بل سياسية واجتماعية وعسكرية.


وليس في هذه المسألة تخصيصاً أو انحيازاً، بل لأن عقدة العلاقة بين ابن تيمية والعلويين كانت النموذج الأوضح، والأشد أثراً، والأطول ظلاً في تشكيل الهوس الطائفي في سوريا، وهي ليست المشكلة الوحيدة، لكنها كانت دائماً الباب الذي تتدافع منه باقي المشكلات.

تاريخ المشكلة..


علاقة ابن تيمية بالعلويين لم تبدأ بخلاف عقائدي صرف، بل جاءت ضمن صراع سلطات في زمن مضطرب يشهد اجتياحات مغولية وحروب صليبية وسلطنات متهالكة وتقسيماً محلياً وصراعات على الموارد والطرق التجارية والسواحل.


وفي قلب هذا المشهد يمكن القول إن العلوي لم يكن يوماً مشكلة لاهوتية، بل مشكلة دولة عاجزة عن فهم مجتمع أعمق من أدواتها.


في ذلك العصر من القرنين السابع والثامن الهجريين كانت جماعات العلويين موزعة في جبال الساحل السوري وكذلك في حواضر مدن تمتلك استقلالاً اجتماعياً واقتصادياً يوازي مفهوم السيادة الوطنية في اللغة السياسية الحديثة، ولها تحالفات مع قوى محلية وأحياناً مع مراكز سياسية تنافس دولة المماليك. والمفارقة أن الجبال لم تكن يوماً متمردة على الدولة بل طالما كانت الدول هي العاجزة عن فهم الجبال وناسها.


بالنسبة للسلطة المملوكية كان بقاء العلويين خارج سلطة الدولة في جغرافيا طالما شكلت ملاذاً لمن يهرب من الضرائب أو الخدمة العسكرية أو أي شكل من أشكال التبعية، وتحكمهم بطرق استراتيجية بين الساحل وحمص وحماة، كل ذلك جعلهم في عين المماليك مشكلة سياسية أولاً وأخيراً. وفي كل مرة لم تقدر فيها السلطة على فهم شعوب سوريا، لجأت إلى الفتوى بدل السياسة.


عند هذه النقطة يدخل إبن تيمية، فابن تيمية لم ينشئ المشكلة من العدم بل ورثها وطور سرديتها الصراعية، وقبل ابن تيمية كان فقهاء آخرون قد أصدروا فتاوى قاسية بحق العلويين من أمثال ابن الجوزي، والشهرستاني، وابن حجر الهيتمي لاحقاً، وعدد من فقهاء بغداد في العهدين البويهي والسلجوقي، حيث كانت المظلومية السورية تتكرر منذ 640 ميلادية (سقوط سوريا فعلياً بدياناتها القديمة، السريانية - المسيحية البرية بتلاوينها - الوثنية المحلية - والموروثات الفينيقية والسورية الهيلينية)، لأن كل ما سمي بدعة كان في جوهره استقلالاً اجتماعياً خافت منه كل سلطة مركزية.


مع الزمن وتعاقب الخلافات والدول ازداد الهاجس الأساسي تجاه هذه الجماعات المنغلقة بأنها تشكل كيانات خاصة لا تخضع لدولة مركزية وأن تعاليمها باطنية عصية على الفحص التحليلي، وأن لها في بعض المراحل علاقات ملتبسة مع خصوم وأعداء من صليبيين ومغول (وهي علاقات لا تُفهم ولا يصح تناولها إلا ضمن سياقها التاريخي المحدد) وأن هؤلاء يتحصنون في بيئة جبال ترفع كلف إخضاعها عسكرياً. وهنا يصبح مفهوماً أن العلوي عبر التاريخ لم يلاحق لأنه مختلف، بل لأن الدولة لم تحتمل اختلافه.


ولذلك كان جهاز الدولة ينظر إلى العلويين بوصفهم جماعة خارجة عن الضبط، وابن تيمية ورث هذا التصور العام لكنه أعطاه صياغة أشد تماسكاً وبنى عليه أحكاماً أعنف ممن سبقه بكثير .

دوافع ابن تيمية الخاصة..


ابن تيمية لم يكن عالماً منعزلاً في صومعة بل كان رجل مواجهة بالمعنى اللوجستي والميداني، واجه المغول والصليبيين، والإسماعيليين، والمتصوفة، والفقهاء الرسميين (أي ذلك المجتمع المديني السني الوسطي في المدن السورية) واصطدم برجال الدولة المملوكية نفسها.


شخصيته العلمية والعملية تميل إلى الصرامة والقطيعة، خصوصاً في المسائل التي يراها متصلة بهوية الإسلام وحدوده، ومع العلويين وجد مزيجاً قاتماً في نظره من عقائد باطنية وعزلة اجتماعية وتحالفات مع خصوم، وسلوكيات شعبية رآها في زمنه "مخالفة للسائد" .


في هذا السياق جعل فتواه بحقهم تتجاوز الخلاف العقائدي النظري إلى التحريض العسكري والسياسي المباشر.

رحلة جبال الساحل ونقطة الانفجار


كان أبرز مفصل في علاقة ابن تيمية بالعلويين، هي تلك الرحلة إلى جبال الساحل السوري عام 1305 ميلادي، حيث رافق حملة مملوكية على تلك المناطق، وهناك التقى سكان الجبال السوريين من أقوام ومِلل شتى ودَوّن ما سمعه (أو ما قيل له) وشهد مقاومة مسلحة في وجه حملة السلطنة، وعند هذا المفصل تحديداً قرأ أمامه استقلالاً اقتصادياً وعقائدياً راسخاً، فخرج من التجربة إلى فتاواه القاسية التي تصنف العلويين في أقصى درجات التكفير والخروج عن الجماعة. ومنذ ذلك الزمن ظلت الدول العابرة هي التي تصنع الأقليات بينما بقي السوري عموماً والعلوي خصوصاً يحاول أن يبقى أعمق من كل خرائطها.


هذه الفتاوى تحولت عبر الزمن إلى وثائق سياسية وأيديولوجيا جهادية، ومرجعية لتبرير العنف الطائفي في القرن العشرين والقرن الحادي والعشرين، وهنا يكمن الخطر الأكبر في إرث ابن تيمية، حيث تحول النص الفقهي إلى أداة سياسية متجددة، وكل فتوى قاسية في تاريخ سوريا تحمل خلفها دولة خائفة لا مجتمعا ضالاً.

ماذا كانت مشكلة ابن تيمية العقائدية مع العلويين تحديداً؟


ابن تيمية اعتقد أن العلويين يتبنون عقائد باطنية وتأويلات غنوصية، وتقديساً خاصاً لرموز آل البيت، وبنية كونية قائمة على الثنائيات، وأسراراً عقائدية لا تكشف لغير أهلها. وهذه الصورة تشكلت لديه من مصادر متوارثة، وروايات خصوم، ومشاهدات جزئية، وانغلاق اجتماعي طبيعي في بيئة جبلية، إلى جانب ترسبات هرطقات مسيحية وديانات سورية قديمة كانت تنتشر في بلاد الشام كلها لا عند العلويين وحدهم، ولكنها انكمشت في آخر مراحلها في جبالهم بفضل تحالف الجغرافيا مع الإنسان والخبرة التي راكموها في تقنيات الظاهر والباطن بالممارسة والخطاب. وبذلك لم يكن العلوي يعيش عمليا في الهامش، بل كانت السلطة هي التي لم تستطع الوصول إليه إلا بالنار.


بمعنى آخر لم يعرف ابن تيمية العلويين كما هم في تعقيدهم الاجتماعي والمعيشي، بل كما ظهروا له في مرآة زمن سياسي مضطرب.


والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو السيناريو السياسي ولماذا صارت المشكلة وجودية؟


الدولة المملوكية في تلك السنوات كانت تخوض حرباً ضارية مع المغول وتقاتل بقايا الصليبيين وتعاني من هشاشة داخلية وكانت المناطق العلوية تتمتع بقدر من الاستقلال والسيادة يجعلها خارج القبضة الفعلية للسلطنة، فقرأ ابن تيمية هذا الاستقلال بوصفه تهديداً للدولة، ومن ثم تهديداً للإسلام ذاته، وحين تتساوى الدولة بالمقدس يصبح القضاء على استقلال الجبال ضرورة سياسية شرعية في تصوره. ومن هنا نشأت تلك المعادلة المؤلمة، والنتيجة مشكلة تاريخية مستمرة.


فتاوى ابن تيمية تحولت مع الزمن إلى مرجع لفقهاء القرون اللاحقة، وذخيرة جاهزة للجماعات الجهادية، ومادة مشتعلة في الصراع الطائفي الحديث.


والمشكلة الكبرى أنها استعملت خارج سياقها التاريخي فغدت أداة ازدراء للإنسان، ووسيلة لشيطنة طائفة كاملة ومجتمع برمته، وذريعة لعنف سياسي حديث بينما كانت حقيقة النزاع في جذره صراعاً على الدولة في حينه، وإخضاعاً للممالك والجبال، وتبريراً تاريخياً لا يراعي تطور الهويات.


من منظور أنثروبولجي أعمق، فإن مشكلة ابن تيمية مع العلويين هو انغلاق جماعة محلية على (خصوصيتها الاجتماعية) وهي حالة ترفضها كل سلطة ثيوقراطية عبر التاريخ، مع مزاج فقهي صدامي عند ابن تيمية نابع من تركيبته السيكولوجية، وتوتر عسكري مع المغول والصليبيين لا يُفهم ولا يمكن قراءته إلا ضمن زمنه.


وهكذا استحالت المسألة الى عداء بنيوي مستدام ورثه الزمن رغم تبدل كل الظروف التي ولد فيها هذا العداء.


ابن تيمية لم يصنع خلافاً عابراً مع العلويين، بل أسس بنية كاملة لعداء استراتيجي طال قروناً. فتاويه لم تبق أحكاماً فقهية بل تحولت مع الزمن إلى معيار يُرى من خلاله العلويين جماعة خارجة وباطنية خطرة وقابلة للعداء المستدام، ومن هذا المنظار ولدت السردية المضادة التي شكلت الإطار الذهني لكل تصور لاحق عنهم.


كل ما كتبه عنهم لم يعتمد على معرفة دقيقة، لكنه مع ذلك صار المرجع المركزي لفقهاء المدن، وانتقل تأثيره من حلقات العلم، إلى كتب التراث، وخطب المساجد، وأدبيات الحركات الجهادية. وهكذا انطبعت صورة ثابتة تفرض على العلويين أن يبدأوا دفاعهم عن أنفسهم من الاتهامات لا من الذات.


الأخطر أن ابن تيمية أخرجهم من شبكات الحماية الفقهية التقليدية حين وضعهم خارج أهل الذمة وأهل الكتاب والجماعة الإسلامية، مما فتح باب التصور الفقهي الذي يبيح قتالهم ومصادرة أملاكهم ويعاملهم بوصفهم خصماً وجودياً لا جماعة اجتماعية.


وبهذا، تحول الصراع السياسي القديم بين دولة المماليك وجبال الساحل، إلى صراع هوية لا صراع نفوذ، وصارت الجغرافيا تهمة وتحولت الجماعة المحلية إلى رمز للبدعة.


وحين دخلت المنطقة زمن السلفيات المعاصرة والنفط، وزمن الحرب السورية وقبلها العراق وأفغانستان أعيد إحياء فتاواه وتحولت من وثيقة تاريخية إلى أداة تعبئة، ومع السلاح الحديث والإعلام والانهيار السياسي، وزوال المشروع والهوية الوطنية، اكتسبت تلك النصوص قوة لم تكن حتى في زمنها فعادت لتنتج الخطر نفسه ولكن بأضعاف مضاعفة لم يحلم بها ابن تيمية نفسه.


نتيجة ذلك كان ثمة ضرر استراتيجي عميق يتمثل في هوية مشوهة لقرون، عرقلت كل اندماج في المجتمع وبمراكز السلطة، وأمن جماعي دائم التهديد.


لم يهاجم إبن تيمية العلويين كجماعة محلية فقط بل حولهم إلى مشكلة لاهوتية وإلى ملف مفتوح يستمر حتى لو تغيرت الدول والخرائط، وهكذا صارت فتاواه عاملاً بنيوياً في "حرب مقدسة" وذخيرة جاهزة لكل لحظة توتر ومصدراً دائماً لسردية عدائية ترافق هذه الجماعة حتى عندما بلغت ذروة حضورها في الدولة.


ومن نافل القول، أن ابن تيمية ليس نبياً ولا صاحبياً ولا تابعياً ولا من الأئمة الأربعة الذين تأسست عليهم المذاهب الكبرى، وليس حتى شيخاً للمذهب الحنبلي ذاته، بل هو متأخر عن الإمام أحمد بن حنبل بخمسة قرون كاملة، وتتلمذ على أيدي تلامذة المدرسة الحنبلية لا على روادها الأوائل.


وفي أفضل توصيف علمي له هو عالم من علماء الحنابلة، له ما له وعليه ما عليه، وابن سياقه السياسي المضطرب، لا يمثل الإسلام كله ولا الشريعة كلها ولا العقيدة بإجماعها.


نفوذه لم يأت من كونه إماماً متفقاً عليه، بل من استدعاء جماعات متشددة لفتاواه في لحظات الصراع السياسي المعاصر، ثم تحويله من فقيه ضمن مدرسة محددة إلى مرجعية مطلقة تتجاوز حجمه التاريخي. والحق أن ابن تيمية لم يكن أكثر من صوت واحد في بحر واسع من الأصوات الفقهية، لا يعلو عليهم إلا حين ترفع من خلاله جماعات العنف والتكفير راياتها.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2025