رأي - أيهم أسد
يعبر مفهوم الفقر متعدد الأبعاد أو الحرمان متعدد الأبعاد عن الفقر غير المادي والذي لا يقتصر على نقص الدخل فقط؛ بل هو عبارة عن مؤشر اقتصادي اجتماعي سياسي مركب يشمل الحرمان الاجتماعي المتداخل في جوانب رئيسية عدة للحياة، مثل الصحة معبراً عنها بمستويات التغذية ومعدلات وفيات الأطفال، والتعليم كعدد سنوات التمدرس والدوام المدرسي للأطفال، ومستوى المعيشة كالحصول على المياه النظيفة والكهرباء والصرف الصحي ووقود الطهو والأصول، إضافة إلى العوامل الأخرى كالسلامة الشخصية والأمن الشخصي والإقصاء الاجتماعي، وبالتالي فإن تحليل الفقر متعدد الأبعاد سوف يفضي في النهاية إلى مفهومين أساسيين هما: العدالة الاجتماعية والحرمان الاجتماعي.
فكلما انخفضت معدلات الفقر متعدد الأبعاد دل ذلك على انحسار الحرمان الاجتماعي وزيادة العدالة الاجتماعية والعكس صحيح، وفي الوقت نفسه فإن الحرمان والعدالة حالتان وثيقتا الصلة لا بالعملية الاقتصادية فقط؛ بل بالعملية السياسية على مستوى الدولة.
فهل يمكن النظر إلى الفقر متعدد الأبعاد اليوم بوصفه نتيجة العمليات السياسية أكثر من كونه نتيجة العمليات الاقتصادية البحتة؟ أو هل يمكن النظر إليه من منظور الاقتصاد السياسي لا من منظور الاقتصاد البحت فقط؟
ولماذا يمكن التعامل مع الفقر متعدد الأبعاد على أنه نتاج عمليات سياسية بالدرجة الأولى أو على أنه نتاج عملية اقتصاد سياسي؟
ببساطة شديدة لأن الكثير من السلوكيات الحكومية المتعلقة بإدارة الموارد الاقتصادية والثروة الوطنية ودرجة انتشار الفساد وعمقه ومستويات الدمج السياسي وتحقيق الاستقرار السياسي ودرجة التسلط والاستبداد السياسي إنما هي نتاج لعميات وحسابات سياسية في مراكز صنع القرار السياسي، وخاصة فيما يتعلق بقضية توزيع الثروة الوطنية وتمركز الفائض الاقتصادي وآلية إعادة تدوير ذلك الفائض بين الفئات الاجتماعية أولاً وبين المناطق الجغرافية ثانياً وفيما يتعلق بتوزيع وتقاسم السلطة والتشاركية فيها والتي تؤثر مخرجاتها تأثيراً حاسماً في الفقر متعدد الأبعاد.
كما أن درجة تشابك مصالح النظام السياسي مع شبكات المصالح الاقتصادية والسياسية الداخلية والخارجية ودرجة الدعم المتبادل فيما بينهم تعد من المؤشرات الأساسية على آلية تمركز وتوزيع الثروة الوطنية والتي تؤثر في النهاية بمؤشرات الفقر متعدد الأبعاد أيضاً.
فحصول الناس على دخل مادي جيد ناتج عن توزيع جيد للثروة الوطنية بين الطبقات الاجتماعية وبين المناطق الجغرافية ناتج عن وجود نظام سياسي تشاركي وقليل الفساد سوف يسمح لهم بالإنفاق إنفاقاً أفضل على التغذية والرعاية الصحية والتعليم.
كما أن إعادة تدوير الثروة الوطنية في نحو متوازن في المناطق الجغرافية وتحديداً فيما يتعلق بالبنى التحتية والمرافق العامة ناتج عن شفافية وعدالة في الإنفاق العام سوف يسمح للسكان بالحصول على فرص تعليم وصحة وخدمات حصولاً متوازناً.
يضاف إلى ذلك فإن تضمين الناس فعلياً في العملية السياسية في نظام سياسي تشاركي غير إقصائي من خلال البرلمان والأحزاب والمنظمات غير الحكومية والمنتديات الثقافية والاجتماعية والإعلام سوف يقلل من حالات الحرمان الاجتماعية ويوسع دائرة العدالة.
وبالنتيجة يمكن القول إن المؤشرات الكمية الفرعية لمؤشر الفقر متعدد الأبعاد هي مؤشرات متأثرة جداً بالعملية السياسية بالدرجة الأولى، وبالتالي فإن وجود استراتيجيات وطنية للحد من الفقر متعدد الأبعاد في ظل بنية سياسية لا تتسم بالتشاركية والعدالة والديمقراطية لن تؤدي الهدف منها مهما كانت.
وجود استراتيجيات وطنية للحد من الفقر متعدد الأبعاد في ظل بنية سياسية لا تتسم بالتشاركية والعدالة والديمقراطية لن تؤدي الهدف منها مهما كانت.


