رأي - مالك الحافظ
أرقب مؤخراً كيف ينحدر المجال العام السوري إلى سوقٍ للضجيج، وكيف تحوّل النقاش إلى فرجة، وكيف صار الجهل مشروعاً معلناً لا يُخفي نفسه، حيث باتت المسألة أنّ التفاهة نفسها صارت نظاماً، تُدار كأنها سلطة فوق الجميع.
ومن نافل القول بأن المجال العام السوري بات يشهد حالة من التدهور المعرفي العميق تُخفي وراءها ظواهر مركّبة من التسلّع الثقافي، والتفاهة المُمنهجة، وتراجع معايير الكفاءة، كما لم تعد هذه الحالة مجرّد نتاج فراغ سياسي أو انهيار مؤسساتي، لكنها تحوّلت إلى ما يمكن تسميته "مشروعاً للجهالة المنظمة".
في مرحلة تشهد تدهوراً للمعايير والقيم، يمكن أن يصبح "الترند" سلطة معرفية بحدّ ذاته، فمن يملك جمهوراً يظنّ أنّه يملك الحقيقة، ومن يُتقن الجدل يظنّ أنّه يُنتج فكراً. وهكذا تنشأ ديمقراطية الجهالة، حيث يُستبدل العقل الجمعي بالانفعال الجمعي، وتُلغى قيمة التخصّص لصالح "كاريزما الارتجال".
لكنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في سطحية هؤلاء فقط، إذ يتم تطبيع التفاهة كمنهج للعيش والفكر، فحين يتعوّد الناس على رؤية الضحالة بوصفها رأياً، والتهريج بوصفه نقداً، من البديهي أن يُعاد تشكيل الذوق العام ليقبل بالرداءة كأفق، وليصبح الغباء مقبولاً ما دام يُقدَّم بثقة.
يمكن تفسير هذه الحالة بالعودة إلى ما وصفه غوستاف لوبون في كتابه سيكولوجية الجماهير، إذ يرى أن الجمهور حين يتشكّل يفقد فرديته النقدية ويصبح أكثر انفعالاً وأقل عقلانية. في حالتنا، أنتجت لنا المنصّات جمهوراً رقمياً يضطلع بالدور ذاته؛ جمهورٌ يندمج في موجات الغضب والإعجاب والرفض بطريقة جماعية غير واعية، فيُستبدل العقل الجمعي بـ"وجدان جماهيري" سريع التقلب. بذلك تتحول مواقع التواصل إلى مسرحٍ تتكرّس فيه سيكولوجيا القطيع، ويصبح المزاج الشعبي أداة لإعادة إنتاج الجهل الجماعي بدل تصحيحه.
لم يعد الجهل خجولاً كما كان، فقد صار يتحدث بلغة الواثق، ويمشي متباهياً بضحالته، كأنّ الجهل صار فضيلة، أو أنّ التبجّح صار دليلاً على الأصالة. أتابع هؤلاء الذين يُلقّبون أنفسهم بالمحللين أو المفكرين أو متحدثين رسميين أو مسؤولين إعلاميين، وهم يكررون العبارات ذاتها، ليعيدون إنتاج الجهل في قوالب أكثر لمعاناً.
ليس ما يجري عفوياً، فالتفاهة الآن ليست نتاج فراغ فقط، ولكنها نتاج تصميم. وهناك من يحتاج أن يبقى السوري مشغولاً بتوافه الأمور كي لا يرى أية كوارث و انحدارات.
من الطبيعي أن نستغرب، لا وبل ونشفق، حين نرى كيف تحوّل الفكر إلى مادةٍ للاستهلاك السريع، بحيث يُقاس الرأي بعدد الإعجابات، وليس بعمقه. الجهل ليس غياباً للمعرفة، ولكنه رغبة في إلغائها، ومن يجهل لا يطلب الفهم، بل يطلب أن يظلّ الآخر صامتاً كي لا يشعر بنقصه؛ والجهالة في معناها الأعمق، هي مشروع هيمنة.
اليوم، يتوزع هذا المشروع بين من يروّج له ومن يستهلكه، بحيث يصبح في النهاية، كلّ واحدٍ فينا شريكاً في إنتاج الرداءة. كما يظهر التحوّل البنيوي في المجال العام السوري من خلال الانتقال من ثقافة الفكرة إلى ثقافة الصوت، فالكلمة لم تعد أداةً للفهم أو التفكير، إذ غدت وسيلةً للترويج.
يُمكن قراءة هذا التحوّل في ضوء مفهوم الهيمنة الرمزية عند بيير بورديو، الذي يرى أنّ السيطرة الثقافية لا تُمارس بالقوة المباشرة إنما عبر أنظمة الإدراك والمعنى التي تفرضها ما يسمى بـ النخب أو المؤثرين في عصرنا الحالي على المجتمع. فالمجال العام السوري في صورته الراهنة، يخضع لإعادة تشكيلٍ من داخل اللغة ذاتها، حيث تتبدّل معايير الشرعية الرمزية، فلم تعد الكفاءة أو الاختصاص مصدر الشرعية، إذ باتت القدرة على احتلال الحيّز العام وخلق وهم الجماهيرية. وبذلك، تُستبدل القيمة المعرفية بـ"القيمة التداولية"؛ فالمحتوى الذي يثير الانفعال يكتسب قوةً رمزية تفوق ما تملكه المعرفة الصامتة. إنّ هذه البنية تجعل من "الترند" شكلاً حديثاً من رأس المال الرمزي الذي يُحدّد من يملك السلطة الرمزية في إدارة الوعي الجمعي.
كذلك تُظهر الحالة السورية الراهنة ملامح نموذجٍ يمكن تسميته بـ"صناعة التفاهة"، كما عرّفه آلان دونو، حيث لم تعد التفاهة مجرد سلوكٍ ثقافي، لكنها أصبحت آلية حكم، تُدار من خلالها دوائر الوعي والإدراك.
يمكن فهم "صناعة التفاهة" أيضاً ضمن ما سمّاه ميشيل فوكو بـ"السلطة الانضباطية" التي انتقلت من القمع إلى التحكّم بالذات، فالسلطة المعاصرة لا تحتاج بالضرورة إلى القهر ما دامت قادرة على هندسة الرغبات، وفي هذا السياق، تُمارس التفاهة دور السلطة الناعمة التي تُخضع الأفراد عبر الإغواء لا الإكراه، وتعيد صياغة وعيهم ضمن حدود مقبولة.
بهذا المعنى، تحلّ الرقابة الناعمة محل القمع المباشر، إذ يُحوَّل "الترند" إلى أداة ضبط اجتماعي تُدير الانفعالات وتعيد توجيهها، كما يصبح الجمهور مفعولاً به لا فاعلاً.
وتحت هذا الواقع الجديد، فقد المثقف موقعه التاريخي بوصفه ضمير المجتمع، فصعود "الخبير المصطنع" و"المحلل المتعدد المهام" مثّل مرحلة ما بعد الكفاءة، حيث تُستبدل الخبرة بالقدرة على الكلام، والمعرفة بالتمثيل.
هنا يمكن لنا مقاربة هذه الظاهرة في ضوء مفهوم أنطونيو غرامشي عن "المثقف العضوي"، أي المثقف الذي ينخرط في الوعي الجمعي لتحويله، لكن في الحالة السورية، جرى إقصاء المثقف العضوي لصالح مثقفٍ استعراضي يعمل في خدمة السوق الرمزي، وليس في خدمة المجتمع.
يتجلّى هذا التحوّل على مستوى البنية الاجتماعية أيضاً من خلال ما وصفه غي ديبور بـ"مجتمع الفرجة". حيث أصبح المجتمع السوري، في صيغته الراهنة، مجتمعاً استعراضياً تُختزل فيه الذات الإنسانية إلى صورة، ويُعاد إنتاج الوعي عبر المشهد البصري.
المواطن السوري اليوم ليس فاعلاً سياسياً إنما هو فعلياً مشاهد دائم لذاته وللآخرين، فيتحوّل النقاش العام إلى عرض متواصل، ويصبح التفاعل الرقمي بديلاً عن المشاركة الحقيقية.


