مازن بلال
يفرض الجولان السوري معادلاته الخاصة على طبيعة العلاقات السورية إقليمياً، فهو لا يحدد نوعية المسار بين دمشق و "تل أبيب" فقط؛ بل يرسم أيضاً شكل الاضطراب الذي يمكن أن يحدث نتيجة الهدوء الهش الذي ساد طوال عقود بعد فض الاشتباك عام 1974، وحادثة "بيت جن" أعادت جغرافيا الجنوب بوصفها عقدة في السياسة "الحذرة" التي اتخذتها سلطات دمشق تجاه الصراع مع "إسرائيل".
كانت اتفاقية فض الاشتباك بعد حرب عام 1973 اعترافاً من سوريا و "إسرائيل" أن التوتر بين الجانبين أصبح خارج إطار "الحروب الكبرى"، فكان فض الاشتباك تحييداً لـ"جغرافيا الجولان" من المعادلة القائمة، وأصبحت التوترات تندلع في ساحات أخرى، فحرب تشرين كانت تحمل مؤشرين أساسيين:
الأول، إن الحرب تكرس توازن القوة، والمهزوم فيها سيدخل في مرحلة "إعادة الحسابات" بانتظار صراع جديد، وما حدث دبلوماسياً أن هنري كيسنجر استطاع وضع حدود للمواجهة المباشرة داخل "الجغرافيا الأعقد" في الحرب الإسرائيلية.
لم تحمل اتفاقية فض الاشتباك أي عناصر لإنهاء الحرب أو استعادة الجولان بالكامل، وبخلاف ما حدث في مصر التي استرجعت سيناء، ودخلت في سلام مع "إسرائيل"، فإن سوريا بدأت مرحلة صراع مختلفة؛ إذ استمرت معركتها ضمن حدود تضمن عدم الوصول إلى حرب كبرى جديدة، والمواجهات السورية – "الإسرائيلية" كانت في الصراع على الإقليم عموماً وهذا قد حدث في لبنان في الحرب الأهلية وبعدها.
المؤشر الثاني، في الرهانات السورية على أن الصراع مع "إسرائيل" يحتاج إلى "جبهة شرقية" واسعة، وعانت دمشق فراغ البعد الاستراتيجي للصراع، فالجبهة الشرقية بقيت مؤجلة على الرغم من دخول طهران إلى خط الصراع من عام 1979.
عملياً فإن حادثة بيت جن على محدوديتها تقدم صورة العلاقة التي يصعب تأطيرها بـ"صفقات" على السياق الذي تعمل به إدارة الرئيس ترامب، أو حتى سعي سلطات دمشق الجديدة في مسألة "ترتيبات أمنية"، فعلى الرغم من أن اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974 كانت تحمل "ترتيبات أمنية" لكنها بأبعاد سياسية واسعة أتاحت لسوريا التعامل مع مسائل إقليمية كبيرة، وهذا ما تفتقر إليه أي صفقة حالية تحاول كسر جغرافيا الجولان التي دخلت إلى خط الصراع منذ فرضت بعض الفصائل المسلحة انسحاب القوات الدولية، وعادت بعد اتفاق ترامب مع بوتين في ما عرف باتفاق "جنوب غرب سوريا" عام 2017.
عودة القوات الدولية لم توقف التحولات البنيوية؛ إذ بقيت المسألة أعقد من إعادة نشر مراقبين، فالجغرافيا تغيّرت، والسلطة على الأرض لم تعد مركزية، في حين تحوّل الجنوب السوري إلى مساحة تختبر فيها "إسرائيل" خطوط ردعها ونفوذها إقليمياً، وتستكشف فيها دمشق حدود قدرتها على استعادة الدور التقليدي للدولة.
تبدو بيت جن علامة على تحوّل بعيد الأمد في الجنوب السوري، وليست مجرد حادثة عابرة، فهي إعادة إنتاج الجولان بوصفه جغرافيا سياسية مفتوحة على الاحتمالات، ومسرحاً يظهر أزمة الدولة السورية في موازنة الأمن والشرعية والاستحقاقات الإقليمية، في منطقة لم تعد فيها خطوط فض الاشتباك كافية لصنع الاستقرار.
تبدو بيت جن علامة على تحوّل بعيد الأمد في الجنوب السوري، وليست مجرد حادثة عابرة...


