هاشتاغ
بحث

ملامح لسورية في نهاية عام

12/12/2025

ملامح-لسورية-في-نهاية-عام

شارك المقال

A
A

نضال الخضري



ليس كغيره من الأعوام لأنه نسيج ما بين التحول والألم، فالوطن ليس قضية سياسية؛ بل شعور بالحاجة إلى أرضه، وبالقدرة على رسم ملامحه في الذاكرة، وفي سنة واحدة بدأ اقتطاع الذاكرة القريبة والبعيدة في سوريا، وظهرت ملامح عدم اليقين، وما بين مساحات الوطن التائهة داخل النفوذ الإقليمي، وبشاعة عدم الأمان التي أصبحت صورة ملازمة للكثيرين، أصبح الوطن تصورات فقط، وغدت تفاصيله وجع مزمن.


ستمر الصورة القديمة قبل الميلاد مثل بريق داخل ظلام الذاكرة، وستوقظ حالات فرح نادرة لمشهد الأضواء التي كانت جزءاً من حياة الأحياء في المدن، وباتت اليوم ترفاً يصعب تحقيقه، فمرور عام على سوريا يبدو عادياً لكن الحرب الطويلة جعلت لكل سنة إيقاعها أو حوادثها التي تغير كل ما يحيط بنا فجأة وتخلق حالة من الشوق لزمن مختلف منقطع عن الماضي ويريد الهروب من المستقبل الغامض.


نهاية العام تتركنا على حافة زمن مختلف بلا قدرة على القفز خارج القدر الجائر، فتتآكل القدرة على الحلم، وتبدو "الأفراح" الصغيرة موزعة توزيعاً "شحيحاً" على المنازل، فإن استطعنا خلق مفاجأة جديدة، فإننا نواجه صوراً عالقة أمامنا لمتسولين يحاولون البقاء، وهم يستنجدون بما بقي فوق الأرض من دون أن يستطيعوا الانغراس فيها، ففي كل لحظة تمر هناك بؤس قادم وملامح دقائق من الصقيع تغلف الجميع.


في نهاية هذا العام ينغرس في العقل سؤال "الانتظار"، وترتسم الأوهام فلا رؤية يمكن أن تحقق "اليقين" ولا جواب يكسر إشارات الاستفهام المتتالية عن الزمن القادم، فالأجيال التي عاشت الحرب واعتادت ثقل الأحداث تحاول أن تبدد الشكوك بالسفر أو حتى بالاعتزال خارج المشهد الذي لا تستطيع جمع تفاصيله، فالسوريون تعلموا، ربما قسراً، كيف يعيشون في مساحة متحركة لا تستقر على شكل واحد.


لن ينتظر أحد مفاجآت كبيرة مع مرور الأشهر وستستمر المعركة الصامتة بين الرغبة في الحياة والقدرة على تحملها، وسيبقى الخوف جزءاً من التفاصيل التي ترافقنا، في هذا الوقت من السنة؛ إذ يتكثف الشعور بأن البلاد تجرّ خطواتها عبر ضباب ثقيل، فبين خسارات الحياة اليومية وذكريات زمن لم يعد قابلاً للعودة، تنشأ مسافة داخلية واسعة يصعب ملؤها، فتظهر في نظرات الترقب التي ترافق الجميع وهم ينتقلون من يوم إلى آخر.


ما تواجهنا من كوارث عبر عام، أو ربما سنوات متتالية ليس تراكم الهزائم اليومية؛ بل الإرهاق من المتابعة لكسر اليأس، ومحاولات إيجاد من "يدهشنا" ربما بفرحه الزائد الذي يظهر كإيقاع "نشاز" لا يدفع أحد على متابعة ما يحدث، فهناك هوية لبلد كامل تبدو محط شك، ويصبح مضي الأيام خارج أي مساحة متابعة لتسلسل الأحداث.


في نهاية هذا العام، تبدو سوريا كأنها تقف على عتبة لا تريد عبورها ولا تستطيع الرجوع عنها، فجروح السنوات الماضية لم تلتئم، وصور المستقبل لا تزال ضبابية، وما نحتاج إليه أبعد من الصبر، وأعمق من الأمنيات؛ هو عودة "الشغف" بالحياة الذي غادرنا قبل عقد ونصف ولم نستطع استرجاعه على الرغم من كل الفيض السياسي الذي يحيط بنا.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026