رأي - أيهم أسد
تشير الأدبيات الاقتصادية والإدارية المتعلقة بالدور المناط بالحكومات في كل دول العالم بضرورة حوكمة عمل الحكومة، وذلك لما تملكه عملية الحوكمة من تأثيرات في النمو والتنمية والرفاه البشري وإدارة المال العام والثروة الوطنية وتوزيع الدخل وبناء الثقة، وبالتالي تحسين تنافسية الاقتصاد محلياً ودولياً وتعظيم ثقة المستثمرين المحليين والدوليين وبناء صورة ذهنية محلية ودولية جيدة عن الاقتصاد.
لذلك تسعى الدول أياً كان شكل نظامها السياسي إلى تبني نظم حوكمة تتناسب مع خصوصيتها ودرجة تطورها وبنية إدارتها العامة، علماً أن للحوكمة ثوابت أساسية تشكل مرجعيات عمل لأي حكومة ترغب بتطبيقها، لكن ما يختلف بين دولة وأخرى هو عمق تطبيق ثوابت الحوكمة تلك.
لقد كانت الحوكمة غائبة عن الاقتصاد السوري طوال ستين عاماً، فلم يرغب النظام السياسي السابق الذي حكم سوريا طوال سنوات (1963 – 2024) في تبني نهج الحوكمة بوصفها وسيلة لإدارة البلاد، الأمر الذي حوّل سوريا إلى صندوق مغلق تديره نخبة حاكمة تتخذ القرارات وتدير البلاد من دون وضوح أو نزاهة أو مساءلة أو شفافية أو كفاءة أو فعالية ترافق ذلك مع تبعية الأجهزة الرقابية للسلطة التنفيذية والسياسية فتحولت أداة بيدها بدلاً من أن تكون رقيباً عليها فوصلت البلاد بعد ستين عاماً إلى ما وصلت عليه من انهيار سياسي ومؤسساتي واقتصادي.
ومع سقوط نظام الأسد، وتولي السلطة الجديدة قيادة البلاد، ومع التغيرات الدولية والداخلية الكثيفة المؤثرة بقوة في المجتمع السوري، وضمن بيئة التهديدات الداخلية والخارجية المحيطة به، ومع صدور الكثير من التشريعات القرارات غير المنطقية، ومع ظهور بعض المؤسسات الاقتصادية الحكومية الجديدة التي تشكلت من عملية تجميع لها، ومع دمج بعض الإدارات العامة معاً لتشكيل وزارات جديدة، ومع تغير طريقة إدارة اقتصاد البلاد، مع كل تلك المتغيرات، وكي لا تتكرر تجربة "الصندوق المغلق" بات من الضروري أن تتبنى الحكومة الانتقالية نهجاً واضحاً للحوكمة تقر فيه بعلنية وشفافية أعمالها وتبرر فيه سلوكياتها الاقتصادية والإدارية والسياسية.
تتطلب حوكمة الحكومة السورية اليوم إعادة النظر في المعايير والإجراءات التي تعمل وفقها الحكومة، وتحمل مسؤوليتها نتائجها، كما تتطلب الحوكمة إعادة النظر في هيكل الإدارة العامة وطريقة التعيينات الإدارية فيه ودرجة خضوعها للقوانين، كما تتطلب وجود برلمان منتخب وجوداً حقيقياً قادر على تتبع أنشطة السلطة التنفيذية ومساءلتها بما يضمن استدامة كفاءة الأداء الحكومي وتحمّل تبعات القرارات طاقة المتخذة من الحكومة.
كما تتطلب حوكمة الحكومة استقلالية حقيقية للأجهزة الرقابة وإلغاء تبعيتها للسلطة التنفيذية وتوحيدها في جهاز رقابي يتسم بالنزاهة والشفافية والعدالة المهنية، يضاف إليها ضرورة عدم خروج أي مؤسسة عامة محدثة، وأياً كانت جهة ارتباطها، عن قواعد الأجهزة الرقابية العامة.
كما تتطلب حوكمة الحكومة في الوقت ذاته إدارة عمليات الشفافية والإفصاح عن نتائج أعمالها في إدارة المال العام والثروة الوطنية سواء من حيث شفافية إدارة العقود الداخلية أو الخارجية أو من حيث إدارة جباية وإنفاق المال العام وتحديداً في يتعلق بمصادر الجباية وأوجه الإنفاق.
حوكمة الحكومة السورية اليوم وغداً وفي كل حين ضرورة، ولا بد من البداية بها من دون استخدام الظروف الحالية كمبرر لعدم تطبيقها، فالضامن الوحيد لتماسك المجتمع والاقتصاد وحماية المال العام وسيادة القانون والنزاهة والعدالة لن يكون إلا بالحوكمة.
حوكمة الحكومة السورية اليوم وغداً وفي كل حين ضرورة، فالضامن الوحيد لتماسك المجتمع والاقتصاد وحماية المال العام وسيادة القانون والنزاهة والعدالة لن يكون إلا بالحوكمة.


