مالك الحافظ
لا يعيش السوري في الخارج حالة قطيعة مع فكرة العودة، ولا يحتاج إلى من يذكّره بها. العودة، في الوعي السوري الجمعي، ليست موقفاً مؤجلاً، بل هي فكرة كامنة، تتعايش مع المنفى كما يتعايش الظل مع الجسد.
هذا الحلم لم يتحوّل في أي لحظة إلى خيار عابر أو قرار مؤجّل بلا معنى. لكنه في المقابل، لم يكن يوماً قراراً عاطفياً خالصاً. العودة في معناها العميق، هي انتقال كامل للحياة، بكل ما تحمله من أعباء مادية ونفسية واجتماعية، وهي قبل ذلك اختبار لقدرة المكان على استقبال الإنسان، وليس لاختبار وفاء الإنسان للمكان.
من هنا، يبدو الاتهام الذي وجّهه مسؤول حكومي تابع للسلطة الانتقالية بحق السوريين الذين لم يدخلوا البلاد أو يزوروها خلال عام 2025 أقرب إلى قراءة أخلاقية مبسّطة لظاهرة اجتماعية معقّدة. فالمسألة لا تتعلّق بنيّات السوريين، ولا بدرجة ارتباطهم العاطفي بوطنهم، بل بالمسافة الفاصلة بين الرغبة والقدرة. هذه المسافة، التي يتجاهلها الخطاب الرسمي غالباً، هي التي تُنتج قرار العودة أو تؤجّله، لا العكس.
العودة إلى سوريا لا يمكن اختزالها في فعل الزيارة، فهي انتقال كامل للحياة، بكل ما تحمله من شروط مادية ونفسية واجتماعية. من هنا، يصبح السؤال الأكثر إلحاحاً: ما هي الكلفة الحقيقية للعيش في سوريا اليوم، ليس لمن يقيم فيها فقط، بل لمن يُطلب منه أن يعود إليها من الخارج؟
كلفة المعيشة في سوريا هي كلفة مركّبة، تتشكّل من تآكل الدخل، هشاشة فرص العمل، غياب الضمانات الاجتماعية، وانعدام الأفق الاقتصادي الواضح. حتى من يعيش في الخارج حياة متوسطة، أو يعتمد على مساعدات إنسانية، قد يجد نفسه في حالة استنزاف دائم، لا تسمح بالتخطيط أو الاستقرار. أما من عاش سنوات في بيئة توفّر حدّاً أدنى من التنظيم والخدمات، فإن العودة إلى هذا الواقع لا تُشكّل مجرد تراجع معيشي، إنما صدمة وجودية كاملة.
في علم الاجتماع السياسي، يُنظر إلى قرارات من هذا النوع بوصفها نتاجاً لبنية اجتماعية واقتصادية، لا خياراً فردياً معزولاً. الفرد لا يقرّر العودة أو البقاء في الخارج بمعزل عن شروط العمل، والسكن، والصحة، والتعليم، والأمان. وعندما يغيب هذا الإطار، تتحوّل العودة من حقّ طبيعي إلى مخاطرة غير محسوبة. علم النفس الاجتماعي يصف هذه الحالة بما يُعرف بـ"صدمة العودة"، حيث يصطدم العائد بواقع لا يشبه ذاكرته ولا ينسجم مع ما اعتاد عليه، فيدخل في حالة اغتراب داخل المكان الذي يُفترض أن يكون مألوفاً.
هنا، يبرز سؤال الدولة بوصفه سؤالاً مركزياً، فهل المشكلة في السوريين الذين لم يعودوا، أم في القدرة الواقعية على استقبالهم؟ هذا السؤال لا يُطرح بدافع التبرير أو الدفاع، وإنما من موقع التحليل. فعدم تفضيل الخارجية التنسيق مع دول أوروبية، كألمانيا، لاستقبال عودة السوريين، وتعثر التفاهم مع الدنمارك بشأن إعادتهم، يتوجب التوقف عنده كثيراً.
العودة، بمعناها العملي، تتطلّب أكثر من فتح الأبواب، فما هي فرص العمل المتاحة اليوم، وأي نوع من الاقتصاد يمكن أن يستوعب العائدين؟ كيف يمكن لعائلة عاشت سنوات في اقتصاد منظّم، ولو بحدوده الدنيا، أن تنتقل إلى اقتصاد يقوم على اللايقين؟
في أدبيات التنمية، يُستخدم مفهوم "الكرامة الاقتصادية" للإشارة إلى قدرة الإنسان على إعالة نفسه دون ارتهان دائم للمساعدات أو العلاقات الشخصية. هذا المفهوم يبدو اليوم هشّاً داخل سوريا، فكيف يمكن افتراض تحقّقه بالنسبة لمن يعود من الخارج.
بعد عام على تسلّم السلطة الانتقالية، لا يمكن تجاهل عامل الزمن، حيث لا يقاس الزمن السياسي فقط بمرور الأشهر، بل بما يُنتجه من تغييرات ملموسة في حياة الناس. لذا فإن الفجوة بين التوقعات المرتفعة والنتائج المحدودة تُنتج وفق علم الاجتماع السياسي، حالة من الإحباط الجمعي، يتحوّل فيها الأمل إلى عبء نفسي. في هذا السياق، يصبح خطاب العودة أقرب إلى خطاب تعبوي، لا إلى سياسة عامة قائمة على معطيات واقعية.
غالباً ما تُستدعى العقوبات، ولا سيما بشكل رئيسي "قيصر"، بوصفها الإطار التفسيري الجاهز لكل تعثّر. وهنا لا يمكن إنكار تأثير العقوبات على الاقتصاد السوري، لكن تحويلها إلى سبب وحيد ومطلق يُفرغ النقاش من مضمونه. تحليل الخطاب السياسي يُظهر أن هذا النوع من التفسير يُستخدم لتبسيط واقع معقّد، وتعليق الإخفاقات على عامل خارجي، بما يؤجّل أي مساءلة جدّية للسياسات الداخلية، وآليات الإدارة، وأولويات إعادة البناء.
الأمر نفسه ينسحب على الخطاب الذي يطالب النازحين المقيمين في الخيام بالاعتماد على أنفسهم وإعمار ما تهدّم من بيوتهم، هذا ما قالته ضمنياً وزيرة حالية في الحكومة الانتقالية. هذا الخطاب، مهما كانت دوافعه، يعكس منطقاً يُعرف في علم الاجتماع النقدي بـ"تحميل الضحية عبء التعافي". فهل من المنطقي أن تُنقل مسؤولية إعادة الإعمار من الدولة إلى الأفراد الأكثر هشاشة؟ إن ذلك لا يُعبّر عن تمكين، بقدر ما يُشير إلى انسحاب الدولة من دورها الأساسي. الاعتماد على الذات قيمة مهمة، لكنه لا يمكن أن يحلّ محل السياسات العامة والبنى التحتية والدعم المؤسسي.
الاستقرار في نهاية المطاف، هو شرط نفسي أساسي. مفهوم "الأمان الوجودي" في علم النفس السياسي يوضّح أن الإنسان لا يستطيع اتخاذ قرارات مصيرية، كقرار العودة، في بيئة تفتقر إلى الحدّ الأدنى من القابلية للتنبؤ. من اعتاد على بيئة مستقرة نسبياً، لا يمكن مطالبته بالعودة بسهولة إلى واقع يُطلب منه فيه إعادة بناء حياته من الصفر، دون ضمانات واضحة أو أفق زمني معقول.
من اعتاد على بيئة مستقرة نسبياً، لا يمكن مطالبته بالعودة بسهولة إلى واقع يُطلب منه فيه إعادة بناء حياته من الصفر، دون ضمانات واضحة أو أفق زمني معقول.


