هاشتاغ - نضال الخضري
رفع وصاية المرأة عن أطفالها في سوريا ليس عنواناً إعلامياً جديداً، لكنه صورة لمجتمع يترنح فوق مساحة رمادية، فالتشريع السوري الذي لم يستطع تجاوز الزمن، وإنهاء حقبة “الحريم”، ينقل الجميع إلى حلقة مفرغة من البحث عن المستقبل.
المرأة السورية، على الرغم من كل التحولات التي عاشتها منذ سنوات الاستقلال الأولى، بقيت محاصرة ضمن نصوص قانونية تضعها في إطار خاص، فهي قاصر دائماً، وهي مكسرة على خطوط التشريع الذي يريد الذهاب إلى الماضي، وخارج الدستور أيضاً الذي يتحدث عن "المساواة" بين المواطنين، فهناك دستور آخر ينقلها خارج الزمن ويضعها على هامش الحياة.
القضية ليست في التفاصيل القانونية؛ بل في البنية الذهنية التي تتكئ عليها تلك القوانين، فهي أسيرة تصورات عن "الوصاية الذكورية"، وتبحث عن وهم "الاستقرار الاجتماعي" في زمن التحولات المعرفية الكبرى، فبصرف النظر عن حالة الظلم التي تحملها معها، فإن صورة سوريا في "زمن الحريم" تبدو لوناً كئيباً يعاكس الحياة.
النساء اللواتي فقدن أزواجهن في الحرب، وحملن مسؤولية أسرهن منفردات، يواجهن اليوم جدار العزلة، ومحاولة سلب قدرتهن على إدارة شؤون أطفالهن من دون وصي "ذكر" من العائلة، فالأمومة لا تكفي لإثبات الأهلية القانونية أو الأخلاقية وسط قيم تهبط فوق الجميع وتمنعهم من البحث عن أشعة الشمس خارج المساحات المفروضة.
النقاش في الولاية لا ينفصل عن الجدل في مفهوم "السلطة" في المجتمع السوري، فالقوانين مرآة لتوازنات القوى الاجتماعية والسياسية، ومن الصعب أن تلغى وصاية الرجل على المرأة من دون أن تتغير بنية السلطة نفسها، التي تقوم على تراتبية هرمية من القوي إلى الأضعف، ومن الدولة إلى المواطن، والأب إلى الأسرة، وصراع المرأة السورية مع الوصاية رمزية لأنها تحمل الاعتراف بقدرتها على أن تكون فاعلاً كاملاً في الحياة، لا مجرد تابع يحتاج إلى إذن.
التحرر من الوصاية هو كسر لقيود التفكير، ويتجاوز أيضاً المساواة المدنية، ويتقاطع مع أسئلة أعمق عن هوية الدولة السورية، هل هي دولة مواطنة، أم وصاية؟ فالقانون الذي لا يثق بالمرأة، لا يمكن أن يثق بالمواطن أيضاً؛ لأنه ينطلق من أن الإنسان بحاجة إلى من يرشده، لا من يشاركه.
إنهاء الوصاية مسألة تخص بنية العدالة؛ لأن المساواة أمام القانون لا تتحقق بنصوص جامدة؛ بل بفعل الاعتراف بالإنسان بوصفه كائناً مستقلاً قادراً على القرار والمسؤولية، وحين تكسر تلك القيود التي تحيط بالمرأة، يفتح الباب أمام طاقة إنسانية ضخمة كانت محجوبة خلف الجدران، فكل خطوة نحو المساواة ليست ربحاً للنساء فقط؛ بل للمجتمع بأسره، لأنه يعيد توزيع الثقة والعقل والمسؤولية على الجميع.
المرأة التي يسمح لها أن تكون وصية على أطفالها، تصبح شريكاً حقيقياً في بناء المجتمع، وعندما تستعاد إنسانيتها القانونية والأخلاقية كاملة، يتحرر الوعي الجمعي السوري من أقدم أشكال الخوف، ويتحرر من ثقافة تقدس السلطة وينتقل إلى ثقافة تقدس الإنسان.


