نضال الخضري
حلم اختصار الزمن بأيام قليلة ليس جديداً، فالأعياد كانت طقوساً تتجدد، وهي فرحة الأطفال لأنها تحمل معهم صورة استمرار الحياة، ومحاولة اختزال الأيام إلى مناسبة محددة كانت جزءاً من الصورة التي نحملها معنا، لكنها دخلت مرحلة "تشويش" مع كل ما واجهناه في عام كامل، فهناك اختراق مختلف عن كل ما هو متوقع، ونهاية السياسة التي أرقتنا ثم اكتشفنا أنها أنهت بعض "الأعياد" وأنتجت مناسبات جديدة.
ربما سيبقى الميلاد ورأس السنة حالة عصية على التغيير لأنها خارج البعد الوطني، لكنها في المقابل "محاصرة" بالترقب والبحث عن الترتيب المألوف لـ"الأعياد" التي كانت ترسم فوق المدن مزيجاً من الحماس لطي صفحات الماضي، والاستعداد لما هو قادم قبل أن يصبح "الغد" حالة من اللايقين الذي يجعل من الدقائق نوعاً ثقيلاً من الانتظار.
لم يتغير البحث عن الميلاد ورأس السنة كثيراً، فبقيت سوريا جزءاً من مناسبتين يعيد الجميع فيهما ترتيب المساحات، ربما تقلصت الاحتفالات أو الأضواء التي تزيين الأحياء، وأصبح العيد محشوراً داخل الحدث السياسي، لكن الصورة الأساسية يصعب كسرها، فهناك حالة "عمرانية" محروسة بتاريخ طويل وبثقافة تحرر من الحدث لأنها رسمت مساحتها على الرغم من كل الثقل الذي خلفه تعاقب الأحداث على امتداد قرون.
العمران السوري يفرض المزيج الثقافي ويمنح المدن القدرة على إعادة تعريف نفسها خارج ساحات الصراع، فهي أماكن لولادة الحياة ولانتعاش الذاكرة ولمقاومة الاختزال، فكل المدن السورية حين تحاصر بالسياسة تعيد توزيع معناها، فالشوارع التي خفتت أضواؤها لا تفقد وظيفتها الرمزية، والبيوت التي أغلقت نوافذها مبكراً تتشبث بفكرة العيد، وتعيد صياغتها على مقاس الخوف والحذر.
يصبح العيد فعلاً صامتاً، فهو أقل ضجيجاً وأكثر كثافة، فوسط اقتصاد منهك، وخطاب سياسي مشتت، وحياة يومية محكومة بالمفاجآت، يتحول إلى طريقة لترميم الإحساس بالاستمرارية، حتى لو كان ذلك بطقس صغير، أو شجرة متواضعة، أو مائدة أقل امتلاء من السابق.
عام آخر يمر، محمل بأسئلة أكبر من أجوبته، لم تعد السياسة مجرد خلفية للأحداث؛ بل باتت تدخل تفاصيل العيش اليومي، وتعيد تعريف مفردات الفرح والحزن و "نهاية العام" باتت محطة مراجعة قاسية، فالغد لم يعد واضحاً، وصار التخطيط للمستقبل فعلاً محفوفاً بالشك، لكن مجرد التفكير في "السنة القادمة" هو مقاومة لفكرة الانغلاق التام، والزمن المسدود.
تأتي نهاية العام لا كخاتمة مُطمئنة؛ بل كفاصل هش بين ما كان وما سيأتي، فهو مساحة رمادية نحاول فيها ترتيب ذاكرتنا، وإعادة تسمية خساراتنا، والبحث عن معنى لا ينهار بسهولة، وفي بلد اعتاد العيش على حافة التحولات الكبرى، يصبح هذا التوازن المؤقت بين الخوف والأمل هو الشكل الوحيد الممكن للاحتفال.
لا نعرف ماذا يحمل العام القادم، لكننا مدركون أننا سنصل إليه محملين بما تبقى من قدرة على الانتظار، وبإصرار خافت على أن الحياة، على الرغم من كل شيء، لم تقل كلمتها الأخيرة بعد.


