هاشتاغ
بحث

دور الذاكرة الجمعية في بناء الهويات

04/12/2025

رأي---مالك-حافظ

شارك المقال

A
A

رأي - مالك الحافظ


تشبه الذاكرة الجمعية خزّاناً واسعاً يحتفظ المجتمع فيه بالصور التي يختار أن يراها عن نفسه، انطلاقاً من اعتبارها طريقة لفهم ما حدث وكيف أثّر في الحاضر. عملياً هي المساحة التي يتداخل فيها التاريخ مع المشاعر، والوقائع مع التمثلات، بحيث تصبح الذاكرة أكثر من مجرد أرشيف؛ ولتتحول إلى رافعة رمزية تشكّل الهوية، وتمنح الأفراد لغة مشتركة يفهمون من خلالها أصل الحكاية التي ينتمون إليها. ولأن الهوية علاقة متحركة بين الفرد والجماعة، تصبح الذاكرة الجمعية العنصر الذي يُعيد ترتيب هذه العلاقة باستمرار، وفقاً لما يراه المجتمع جديراً بالبقاء ضمن سرديته العامة.


ولأن الذاكرة لا تتكون بما نتذكره فقط، وإنما أيضاً بما نختار نسيانه، أو نتجاهله، أو نعيد صياغته بطريقة تخدم تصوراتنا عن ذواتنا، فبعض المجتمعات ركزت على لحظات انتصار تاريخية لتعزيز صورة الوحدة والقوة، بينما اختارت أخرى إحياء جروح قديمة لتفسير انقسامات الحاضر. وهناك حالات مضادة، حيث أدى التجاهل المقصود لأحداث مؤلمة إلى تشكل هوية هشة لم تستطع مواجهة المستقبل، لأنها لم تحسم علاقتها بماضيها. وتظهر أهمية هذه الديناميات في التجارب التي لا تزال فيها الذاكرة موضع تنازع؛ مجموعات تتذكر الواقعة ذاتها بطرق مختلفة، فتنتج هويات متوازية لا تلتقي إلا في لحظات الأزمات، حين تفرض الأحداث إعادة فتح الذاكرة من جديد.


وفي مجتمعات أخرى، ساهم الاعتراف المتبادل بالذاكرة المتناقضة في بناء هوية أكثر اتساعاً، ففي بعض الدول شهدت مراحل انتقال سياسي، اختارت النخب الثقافية والسياسية إعادة كتابة الذاكرة الجمعية بطريقة تستوعب روايات المجموعات المختلفة، حيث كان الهدف خلق سردية مرنة تعترف بتعدد التجارب، فلا يتحول الألم إلى حدود فاصلة، ولا يتحول الانتصار إلى امتياز دائم. وفي أماكن أخرى، اختيرت مقاربة أكثر صرامة، حيث جعلت الحكومات من لحظة تاريخية معينة محوراً للسردية الوطنية، معتبرة أن الحفاظ على تماسك الذاكرة شرط لتماسك الهوية، ولو على حساب الأصوات التي طُمست أو هُمِّشت.


نستدل من هذه الأمثلة على أن العلاقة بين الذاكرة الجمعية والهوية هي علاقة تفاوض دائم، فكلما استطاع المجتمع أن يوسّع ذاكرته، كلما استطاع أن يقيم جسوراً أعمق بين مكوناته. حيث تحدد الذاكرة طريقة استقبال المستقبل كما تحدد شكل النظر إلى الماضي. وهذا ما يجعلها عنصراً مركزياً في بناء الهوية، لأنها تمنح المجتمعات القدرة على إعادة صياغة ذاتها، من خلال الاعتراف بها كجزء من الحكاية الكبرى.


في حين فإننا نجد في كل مجتمع رواية "رسمية" للماضي، تنتجها المؤسسات التعليمية والثقافية والسياسية، وتعمل على إعطاء هوية محددة للطابع العام للدولة والمجتمع. لكن إلى جانب هذه الرواية تُوجد روايات فرعية أو محلية أو عائلية، تحمل صوراً مختلفة للماضي، وربما تحمل قيماً أو أولويات تختلف عن تلك المفروضة من أعلى. إذ يكشف التوتر بين هذه المستويات عمق المجتمع وتعقيداته وتعدد طبقات ذاكرته.


وعندما تُمنح هذه الروايات المتعددة الحق في الوجود، تتشكل هوية أكثر تعقيداً وواقعية، فالمجتمع الذي يعترف بأن ماضيه متعدد الوجوه يصبح أكثر قدرة على بناء مستقبل يستند إلى التعدد. أما حين تحاول السلطة الرسمية احتكار الماضي، فإنها تخلق انقساماً بين الذاكرة "المسموح بها" والذاكرة "المحجوبة"، وهو انقسام يتسع مع الزمن ويضعف قدرة الهوية على البقاء كقصة مشتركة.


بالعموم، قد تبدو الذاكرة الجمعية أكثر حساسية حين يدخل المجتمع مرحلة تحولات كبرى، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو ثقافية. فالتحول العميق يغيّر الطريقة التي يرى بها الناس أنفسهم، ويعيد ترتيب علاقتهم بالماضي والحاضر والمستقبل. وفي كل مرحلة انتقالية يظهر السؤال القديم المتجدد، حول ما الذي يجب أن نتذكره لنفهم أنفسنا، وما الذي يجب أن نتجاوزه لنتمكن من العبور إلى ما هو قادم.


في هذه اللحظات يصبح الماضي مجالاً للصراع، فكل مجموعة تحاول استحضار ذاكرة معينة تمنحها شرعية أو تفسّر موقعها في التحول الجديد. قد تستعيد فئة ما لحظة تاريخية ترى أنها تمثل ذروة قوة المجتمع، بينما تتمسك فئة أخرى بذكريات الألم أو الظلم لتحاجج أن أي تغيير يجب أن يبدأ من الاعتراف بتلك الجروح. وتتكثف الروايات حتى تُصبح الذاكرة مساحة تفاوض بين القوى الاجتماعية، يتصارع فيها الحنين والخوف والطموح.


وتتّضح لنا خطورة هذه التحولات حين نلاحظ أن الذاكرة الجمعية هي إطارٌ يحدد الاتجاه الذي يتحرك إليه المجتمع، ففي مراحل التفكك أو الانتقال غير المستقر، تميل بعض المجتمعات إلى تضخيم الذاكرة الانتقائية، كأن تُستعاد لحظات "ذهبية" مفترضة للتغطية على مأزق الحاضر. وهذه الذاكرة، رغم قدرتها على خلق لحظة تماسك مؤقتة، قد تزرع انقسامات أعمق لاحقاً لأنها تبني الهوية على صور مثالية لا يمكن استعادتها.


في النهاية، يصبح فهم الذاكرة الجمعية شرطاً أساسياً لفهم الهوية. فالمجتمع الذي ينظر إلى ذاكرته بوصفها مرآة صادقة لكل أصواته، قادر على بناء مساحة مشتركة تُخفّف من حدة الانقسامات، وتعيد للهوية معناها الأوسع، باعتبارها علاقة حيّة بين الماضي والحاضر والمستقبل. والقدرة على إدارة الذاكرة، هي ما يحدد في النهاية مدى قدرة المجتمع على بناء جسور التفاهم التي يحتاجها للعيش والاستمرار.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026