هاشتاغ
بحث

حساب لزمن مختلف

05/12/2025

حساب-لزمن-مختلف

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - نضال الخضري

 

 ضمن المساحات التي انتقلنا فيها خلال عام هناك حلقة مفقودة، او ربما مغيبة، فيها كل المسائل التي بقيت عالقة رغم الاختلاف العميق بين الأمس واليوم، فالمصطلحات التي ظهرت بقيت حالة من خيانة الذاكرة، لأن عقد ونصف من الحرب ليست حالة عابرة في الحياة السورية، والانتقال إلى زمن آخر لا يمكن تلخيصها بـ"تحرير" أو "سقوط" أو غيرها من الكلمات التي تغلق ما حدث دون الدخول في سردية جديدة.

 

الخطاب الاجتماعي بالدرجة الأولى يريد فرض مهزوم ومنتصر، بينما الرواية الرسمية تريد رسم انجاز خاص بأن البلد خرجت من النفق، لكن الأكثر خطورة هو في أن "السرديات" لا تحاول النظر إلى سوريا بأنها حالة "بقاء" وليس "إنجاز"، وأننا اليوم نقف على حدود ضيقة في تفسير المسار الذي نمشي فيه، فهي بالتأكيد "تغيير" لكنه عصي على "التفسير الاجتماعي" قبل السياسي.

 

رؤية ما جرى كانت تضيق بشكل واضح لتصبح متعلقة بـ"سردية الأفراد" فلا أحد يملك المعنى لما حدث على امتداد خمسة عشر عاماً من الحرب، لأن النتيجة كانت تملك من الغرابة بنفس القدر الذي ميز ملامح الاضطراب الذي ظهر في البداية وكأنه تلميح بأن "اللا يقين" سيبقى ملازماً لنا، وأن التفسيرات ستكون على صورة واضعيها وليس مرآة لعمق ما حدث.


 في سوريا اليوم يمكن أن نقف في أي اصطفاف نريده على صفحات التواصل الاجتماعي، لأن هذا الموقف لا يكلفنا عناء القراءة العميقة لواقعنا الاجتماعي والسياسي، ولكن هذا التشويش الذي تحمله تلك الصفحات يشبه "الطنين" الذي لا ينبح رؤية كاملة للمشهد، وربما المطلوب اعتزال الوقوف ضمن المشهد السياسي، وكتابة "ملاحظات هامشية" ربما للمستقبل؛ عندما تهدأ عاصفة التشويش على صفحات التواصل ومنصات الإعلام.

 

"الزمن السوري" بات غير متجانس، لأن البحث عن ما قبل الحرب وما بعدها أصبح عملية محكومة بتصورات الناس، وبآلامهم العميقة نتيجة "الفقد"، والتاريخ لم يعد خطياً بل متشظياً إلى حكايات متجاورة لا تلتقي إلا في الذاكرة الجماعية المنهكة، فـ"تأريخ اللحظة" تبدو عبثية في ظل غياب سردية وطنية جامعة، استمرار الحياة نفسها هو الفعل الأكثر مقاومة، لأنه يؤكد أن فكرة "البقاء" هي المعنى الحقيقي لما بعد الحرب، لا ما ترويه الخطابات المنتصرة او السرديات المهزومة.

 

نحن أمام زمن مؤجل، لا يشبه أي زمن مضى، لأن البلاد ما زالت تكتب تعريفها بنفسها من خلال التفاصيل اليومية، فـ"الحياة الطبيعية" التي يكثر الحديث عنها ليست عودة لما قبل عام، بل محاولة حقيقية لكسر "الطوق" الذي فرضته الحرب بأزمنتها المختلفة.

 

السؤال عن "من انتصر" أو "من خسر" بلا قيمة، فما ينقص السرد السوري اليوم ليس البطولة ولا الضحية، بل "الشهادة" بمعناها العميق، والبحث عن من يروي ما جرى دون أن يكون طرفاً فيه؟ من يكتب الذاكرة قبل أن تكتبنا؟ إنها مهمة تتجاوز السياسة إلى الأخلاق، لأن استعادة المعنى هي الخطوة الأولى نحو زمن مختلف، لا يقيس الخسارة بعدد الضحايا فقط، بل بقدرتنا على الفهم، وعلى رؤية أنفسنا بشكلها الحالي.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026