هاشتاغ
بحث

الحوادث الأمنية في سوريا وأسئلة المرحلة

01/01/2026

الحوادث-الأمنية-في-سوريا-وأسئلة-المرحلة

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - مالك الحافظ

 

في قراءة الحوادث الأمنية التي شهدتها سوريا خلال الأيام الأخيرة، لا يساعد التعامل معها بوصفها وقائع منفصلة أو اضطرابات مؤقتة على فهم ما يجري فعلياً. فتكرار هذه الحوادث، وتوزعها الجغرافي، يشير إلى خلل أعمق في بنية الأمن، قد يتجاوز حدود الداخل السوري ويمتد إلى طبيعة العلاقة بين السلطة والمجتمع، وإلى موقع سوريا ضمن محيط إقليمي مضطرب.

 

في الدول الخارجة من نزاعات طويلة، يتحول الأمن إلى مؤشر على شكل السلطة وقدرتها على إدارة المجال العام، ففي الحالة السورية، ما يزال الأمن يعمل ضمن أطر متعددة ومتنازعة، ما يعكس غياب تصور جامع لمعنى الأمن ودوره وحدوده. في ظل هذا الواقع، يصبح من الصعب الحديث عن أمن عام يحمي المجتمع ككل، إذ يتقدم منطق حماية النفوذ على منطق حماية المواطنين.

 

تكرار الحوادث الأمنية يكشف أن غياب تعريف واضح لوظيفة الأمن، وحدود تدخله، وعلاقته بالسياسة، يفتح المجال أمام تعدد الفاعلين، وتحوّل بعض المناطق إلى مساحات مفتوحة للاختبار والضغط، وبطبيعة الحال فإن هذا الوضع سيجعل العنف احتمالاً دائماً.

 

في الأدبيات الحديثة حول الأمن في المجتمعات الخارجة من النزاعات، يُنظر إلى الأمن باعتباره علاقة ثقة بين الدولة والمجتمع، وحين تغيب هذه الثقة، تتحول الإجراءات الأمنية إلى ممارسات مراقبة وعقاب، حتى وإن اتخذت شكلاً مؤسسياً. وهذا ما يجب أن نخشاه في حالتنا السورية، إذا ما استمر الاعتبار الاجتماعي للأمن كقوة خارجية أكثر منه وظيفة عامة، وهو ما يحدّ من قدرته على منع العنف قبل وقوعه.

 

كذلك فإن المجال العام المنظم يلعب دوراً مركزياً في امتصاص التوترات ومنع انتقالها إلى العنف. ونلاحظ هنا أن المجال العام السوري، يعاني من تفكك شديد يحرم المجتمع من آليات تنظيم الخلاف، ويترك الأفراد والجماعات أمام خيارات محدودة، من بينها اللجوء إلى العنف أو الاحتماء بالبنى الضيقة. من هنا، لا يمكن فصل الحوادث الأمنية عن أزمة المجال العام، لأن الأمن يعمل ضمن فضاء اجتماعي يحتاج إلى أدوات تنظيم ووساطة فعّالة.

 

بينما تَطرح تقارير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي مفهوم "الأمن الإنساني" بوصفه انتقالاً من حماية الدولة إلى حماية الأفراد. هذا المفهوم، الذي طوّره لاحقاً باحثون مثل أمارتيا سن، يربط الأمن بالكرامة، والفرص، والعدالة الاجتماعية. وفي السياق السوري، ما يزال الأمن يُمارَس ضمن إطار تقليدي يركز على الضبط، مع غياب سياسات تعالج مصادر الخوف اليومية المرتبطة بالفقر، والتهميش الاجتماعي، وفقدان الخدمات.

 

أحد أخطر جوانب هذه الحوادث هو قابليتها السريعة للتأويل الطائفي. لا ينبع ذلك بالضرورة من طبيعة الحادثة نفسها، وإنما من سياق اجتماعي هش، تشكل عبر سنوات من تسييس الهوية وربط الأمان بالانتماء. هذا الأمر يشير إلى فشل الدولة ضمن عهدها الجديد في بناء إطار جامع يشعر فيه الأفراد بالحماية خارج منطق الجماعة.

 

في العمق، تكشف هذه الحوادث عن منطق "أمن النفوذ المحلي"، حيث تُدار بعض المناطق وفق اعتبارات خاصة، ويُضبط الاستقرار داخل حدود محددة، فيما تبقى مناطق أخرى أكثر عرضة للاختراق. والتخوف ضمن هذه المعادلة، أن يتحول الأمن إلى أداة تفاوض ضمنية، وتصبح بعض أشكال العنف جزءاً من إدارة التوازنات.

 

العلاقة بين هذه الحوادث وعمق الأزمة السورية علاقة بنيوية، فغياب اتفاق واضح على شكل الدولة، وعلى احتكارها لاستخدام القوة، وعلى طبيعة العقد الاجتماعي، يجعل إنتاج أمن مستقر أمراً صعباً. ما يظهر على شكل حوادث متفرقة يعكس في الواقع أزمة مستمرة في بنية الحكم، وفي العلاقة بين السلطة والمجتمع، وفي قدرة الدولة على فرض قواعد عامة تحظى بقبول واسع.

 

في دراسات بناء السلام، يميّز باحثون مثل رولاند باريس بين الاستقرار السريع وبناء السلام المستدام، حيث يشير هذا التمييز إلى مخاطر التركيز على الضبط الأمني دون إصلاحات سياسية ومؤسسية موازية. لذا قد توضح الحوادث الأمنية في سوريا أن الاستقرار القائم على توازنات مؤقتة يبقى هشاً، وأن غياب مسار واضح لإعادة بناء المؤسسات يعيد إنتاج أسباب العنف، حتى في فترات الهدوء النسبي.

 

ختاماً، فإن الانتقال السياسي، حين لا يُرفق بإعادة بناء شاملة لمفهوم الأمن، يبقى انتقالاً هشاً. والاستقرار، حين لا يستند إلى أسس سياسية واجتماعية واضحة، يبقى قابلاً للاهتزاز مع كل صدمة. من هنا، فإن فهم ما يجري أمنياً في سوريا يتطلب تجاوز البحث عن الفاعلين المباشرين، والانتقال إلى تحليل البنية التي سمحت أو قد تسمح بتكرار هذه الوقائع.

 

كما أن المنظومة الأمنية تعمل في المجتمعات الخارجة من النزاع، كمؤشر مبكر على اتجاه مسار بناء الدولة، فحين يتقدم منطق النفوذ على منطق القواعد العامة، وحين تُدار الحوادث كوقائع منفصلة دون مراجعة بنيوية، فهذا يشير إلى تعثر في مشروع الدولة ذاته.

 

ضمن هذا المعنى، لا تكشف الحوادث الأمنية فقط عن مخاطر آنية، إذ تكشف أيضاً عن طبيعة المسار السياسي القائم، وحدود قدرته على التحول من إدارة الأزمة إلى تجاوزها.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026