رأي - مازن بلال
تعيد معارك حلب صورة قديمة لحوادث مشابهة حدثت في العراق في سبعينيات القرن الماضي، فالصراع في الأشرفية والشيخ مقصود ليس فقط على مساحات جغرافية؛ بل أيضاً على مفهوم الدولة السورية نفسه، فالمسألة مرتبطة أساساً بانهيار العقد الاجتماعي بعد عقد ونصف من الحرب، فالاقتتال رسم ملامح الافتراق الذي تعيشه سوريا ضمن معادلة التعددية التي عاناها العراق طوال عقود القرن الماضي.
أهمية الجغرافيا في الأشرفية والشيخ مقصود تكمن في طبيعة النفوذ في الشمال السوري؛ لأنها تقدم النموذج الذي يرسم مساحة سوريا ضمن جبهة افتراضية تديرها تركيا شمالا و"إسرائيل" جنوبا، في وقت تغيب فيه استراتيجية البحث عن صورة التوافق التي تحفظ الموقع الجيوسياسي لسوريا مستقبلا، فالتمزيق الجغرافي للسيادة لا يحدث بالسيطرة المباشرة؛ بل بإفراغ المساحات التي كانت ترسم البلاد بتوازن سكاني خاص، فمن الجنوب إلى الشمال وعلى امتداد الساحل السوري كان حضور الدولة واضحاً في القوة لكنه غاب بصفته معبراً عن الحقوق العامة لكافة المكونات السورية.
ما بعد حلب لا يبدو مجرد فصل عسكري جديد؛ بل انعكاس لمرحلة تتبدل فيها معادلة القوة داخل المجتمع السوري، فالمعارك التي تدار في الأطراف تعبر عن فقدان المركز لوظيفته الرمزية، وعن إعادة تعريف الدولة بوصفها "سلطة مطلقة" لا "إطارا اجتماعيا"، فأشكال السيطرة التي نشأت أنتجت أنماطا من إدارة الجغرافيا، تتقاطع فيها الفصائل مع القوى الإقليمية، ويغيب عنها المشروع الوطني الجامع.
مشهد حلب الحالي يعيد سؤال الدولة؛ فكيف يمكن لبلد تحول إلى فسيفساء من القوى المحلية أن يستعيد شكل سيادته؟ فالحدود الإدارية فقدت معناها السياسي، والمركزية التي كانت تتكئ على الجيش والإدارة تحولت إلى مجرد ذاكرة، وإعادة إنتاج الدولة لا يمكن أن ينجح بالعناوين القديمة؛ بل بتحول ثقافي في مفهوم السلطة والمواطنة، لأن ما تلا الحرب لم يكن فقط انهيار مؤسسات؛ بل تفكك للروابط الاجتماعية التي كانت تمنح الشرعية للسلطة.
تبدو حلب نموذجاً مصغراً لما تبقى من "الدولة السورية الممكنة"؛ فهي تختبر التوازن بين تعددية السكان وذاكرة الحرب، وبين نفوذ الخارج ورغبة الداخل في الاستقرار، والصراع في أحيائها الشمالية لا يظهر تناقضا عسكريا فقط؛ بل يكشف حدود المشروع الوطني في مواجهة الجغرافيا المقسمة، فحلب التي كانت يوما مركزا للحركة التجارية والثقافية، تحولت إلى رمز للتفكك، لكنها أيضا تملك مقومات التحول، لأن كثافتها السكانية وتاريخها المديني يسمحان بترميم معنى "العيش المشترك" إن توفرت إرادة سياسية عابرة للحسابات الأمنية.
تحتاج سوريا ما بعد معركة حلب إلى تجاوز فكرة "النصر العسكري" بوصفه مخرجا، لأن المعركة الحقيقية تدور اليوم في إعادة تركيب الهوية الوطنية على أساس توازن اجتماعي جديد يضمن حضور كل مكون ضمن صيغة متكافئة، فكما كانت حلب في التاريخ مركزا للربط بين الشام والأناضول، فهي اليوم مرآة للربط بين الماضي الممزق والمستقبل الممكن، ومن دون استعادة هذا الدور، ستبقى البلاد أسيرة خطوط تماس جديدة، لا ترسم بالمدافع؛ بل بالعجز عن إنتاج عقد اجتماعي جديد يليق بتاريخها وجغرافيتها.


