نضال الخضري
البرد الذي يجتاح سوريا ليس جديداً فهو جزء من لونها البيئي الخاص، وأعطى تصورات كثيرة عبر التاريخ أوجدت ثقافة الشتاء عند السوريين، وما هو إضافي في موجة الصقيع الحالية هو مزيج "البرود" الثقافي – السياسي الذي يلفهم؛ وسط حالة اللايقين من مستقبل يتبدل وينقلب في كل لحظة.
الصقيع الحالي لا يحمل القسوة نتيجة الواقع الاقتصادي فقط، فهو يخترق المجتمع ويجعله ضمن دائرة مغلقة فيها برد وشكوك، وربما يأس من أن صورة سوريا ستبقى معلقة على رغبات الدول الإقليمية، فـ"المنخفض" ليس مجرد طقس بارد؛ بل حالة جمود في الرؤية والتصور للمساحات السورية التي يتم إغلاقها بالمعارك وبحملات الكراهية في وسائل التواصل الاجتماعي.
صقيع سوريا اليوم لا يقاس بدرجات الحرارة؛ بل بمستوى الانكماش الداخلي الذي أصاب الإنسان، فالمنازل التي لم تعد تعرف الدفء منذ سنوات، والمواقد التي تحولت إلى رماد، هي صورة مكثفة لمجتمع يبحث عن دفء رمزي قبل أن يبحث عن الوقود.
ما يضاعف القسوة أن هذا البرد لم يعد عابراً؛ إنه يمتد في النفوس كما يمتد في الجبال، ليصير استعارة عن بلد يعيش فصلا ًطويلاً من الجفاف السياسي والروحي، وفي مثل هذا المناخ، تتراجع القدرة على الحلم، فيصبح الحديث عن إعادة الإعمار أو العودة الطوعية أو الحل السياسي؛ يشبه الحديث عن ربيع بعيد لا يأتي، فالإرهاق من الانتظار حمل معه شتاء الطقس وشتاء السياسة.
أصبحت البرودة مزاجاً عاماً، ففقدت المفردات الاجتماعية دفئها، فلم تُعد صورة الجيران كما كانت، ولا اللقاءات العائلية تبعث على البهجة، فالعزلة التي فرضها "الصقيع الثقافي" نحتت ملامح جديدة لعلاقات الناس، ووسائل التواصل التي كان يفترض أن تكون وسيلة وصل بين السوريين، صارت مساحة لتفريغ الغضب وتكريس الانقسام، فزاد "صقيع الكلمة" من حدة الغربة بين أبناء البلد الواحد.
الشتاء في سوريا كان دوماً موسم الحكايات والدفء العائلي، واليوم هو موسم الأسئلة الكبرى، فكيف يمكن لبلد يعيش "صقيع السياسة" أن يجد طريقه إلى التوازن؟ وهل ما زال في الأفق متسع لفجر يذيب هذا الجليد الطويل؟ فما يحمله الصقيع ليس فقط برودة الطقس؛ بل اختبار جديد لقدرة السوريين على الصمود في وجه واقع يزداد قسوة.
بين الرياح التي تضرب النوافذ، والمصائر التي تهتز كالأغصان اليابسة، تبحث سوريا عن دفء لا تمنحه النشرات الجوية؛ بل فكرة أن الغد مهما تأخر لا بد من أن يأتي، وأن وراء هذا الصقيع الطويل، شمساً ستذيب ما تجمد من حياة، فما يميز هذا الصقيع من سابقيه أنه يعري السوريين من الأوهام.
من رحم هذا التجمد تولد أحياناً قدرة غريبة على التحمل، كأن السوري، بعد أن اختبر كل درجات القسوة، لم يعد يطلب الدفء بقدر ما يطلب المعنى، البرد لا يزول حين ترتفع الحرارة؛ بل حين تستعيد الروح دفئها، وحين يجد الإنسان، وسط كل هذا الصقيع، سبباً صغيراً ليؤمن أن الوطن يمكن أن ينهض من جديد.


