هاشتاغ
بحث

سوريا والتعثر المزمن

23/01/2026

سوريا-والتعثر-المزمن

شارك المقال

A
A

نضال الخضري


تختزن الذاكرة صوراً يصعب تجاوزها، فكل المعارك تترك إرباكاً يعيدنا إلى لحظة التوحش، وعندما تصبح السياسة عنداً نقف عند نقطة واحدة تجعل الذكريات كابوساً لا يمكن الهروب منه، فمن كل الأحداث التي هاجمتنا في الشمال السوري هناك مشهد واحد يتكرر، يظهر أننا أمام استعصاء ثقافي وليس سياسي، وأن مشاهد العنف تحتاج إلى المرور من نفق الذكريات والأحداث حتى ننجو من اللحظة الراهنة.


التعثر الذي نعيشه يتجاوز العنف ويقفز فوق السياسة؛ لأنه عجز عن خلق رواية واحدة تجمع كل الخصوم، وتجعلنا أمام إدراك أن سوريا لا يمكن احتكارها؛ لأنها خُلقت بالتنوع ورسمت سرديتها الخاصة على الرغم من كل مشاهد العنف التي مررنا بها، فالأزمة في عمقها تمس الوعي الجمعي المشتت الذي يعيش على أطلال سرديات متنازعة ومجتمعات تبحث عن خلاص ضائع بين خطوط النار.


انكشفت هشاشة البنى الثقافية والاجتماعية أمام العنف، حين تراجع الوعي العام إلى منطقة الخوف، فالمأساة تحولت من فرصة لمراجعة الذات إلى ساحة للتنازع على من يمتلك الحق في رواية الألم، كل طرف يريد أن يكتب التاريخ على طريقته، فيختنق الحاضر بين روايتين متناقضتين، ولا يجد الناس سوى البقاء في حالة انتظار معلقة، بين أمل بالاستقرار وخوف من تكرار الانهيار.


العنف في سوريا أكثر من حرب؛ فهو اختبار لبنية المجتمع وقدرته على ترميم نفسه، لكنه فشل في إنتاج ذاكرة جامعة، وتحول الماضي إلى ميدان للصراع، وكل مدينة تحتفظ بنسختها من الألم، وكل عائلة تملك روايتها عن الخسارة، فغابت السردية الوطنية التي تجمع هذه الشظايا في حكاية واحدة تروى باسم الجميع.


في ظل التعثر تحولت السياسة إلى أداة لتدوير الأزمة بدلاً من حلها، فصار الحوار مجرد شعارات تقال في المؤتمرات، بينما الواقع يتآكل من الداخل، ولم تعد المشكلة في غياب الحلول؛ بل في غياب الإرادة التي تلتقط معنى الحل، فالحرب أوجدت حالة تعايش مع التناقض، وأصبح الجميع متصالحون مع استمرار الانقسام.


الأزمة الأعمق تبقى في الخطاب الثقافي الذي أصبح أسير وسائل التواصل الاجتماعي، ففشل في إنتاج لغة جديدة قادرة على ترميم المعنى، فالكلمة التي كانت تُحدث أثراً، صارت اليوم تائهة في وطن اعتاد الصمت، وتحول الحوار إلى ترف فكري.


المأساة السورية، في جوهرها، في فقدان المعنى، فحين تتكاثر الرايات وتتناقض الروايات، يصبح الانتماء عبئاً، والهوية عباءة ثقيلة تذكرنا بما فقدناه أكثر مما تمنحنا ما نريد، فنحن جيل يعيش على حافة الحلم المكسور، نبحث في الركام عن بقايا الوطن الذي كنا نعرفه.


التعثر المزمن ليس قدراً، لكنه نتيجة غياب المعرفة بالوطن، وإنكار أن كل المعارك هي في النهاية تجري على أطلال الثقافة القديمة، فالتغيير لا يبدأ من السياسة؛ بل من الوعي، من إعادة تعريف معنى السوري، ومفهوم الوطن، وجدوى أن نحيا معاً رغم الاختلاف.


الأوطان لا يمكن بناؤها بالإنكار، ولا بالهروب من الذاكرة؛ بل بالقدرة على تحويل الألم إلى وعي جديد، يجعل من الكارثة درساً لا قدراً، وعند حدود هذه المعرفة يمكن أن نخرج من نفق التعثر، ونبدأ كتابة رواية سورية واحدة، تتسع للجميع، وتعيد للذاكرة معناها الإنساني لا جراحها فقط.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026