هاشتاغ
بحث

التسويات الأمنية في المعادلة السورية

26/01/2026

التسويات-الأمنية

شارك المقال

A
A


مازن بلال


التسريبات التي أطلقتها محطات عبرية عن اتفاقات مرتقبة بين سوريا و "إسرائيل" تطرح اتجاهاً عاماً، فبصرف النظر عن صحتها لكنها تنقل رسائل إقليمية، فالتسويات التي يتم طرحها اليوم ولو على مستوى الإعلام تأتي في سياق خاص من التوترات التي تحمل معها احتمالات ضربة أمريكية ضد إيران.


عملياً فإن كافة التفاصيل المنقولة عن "التسوية" ليست جديدة؛ إذ تم تداولها سابقاً، ولكن أن تنقلها محطة "إسرائيلية" فهي تعني محاولة حصر أي حرب قادمة في مكان بعيد عن الجبهات التقليدية التي اعتادتها "إسرائيل"، فالخبر ليس طمأنة لـ"الجمهور الإسرائيلي"؛ بل تحديد مساحة المعارك التي لم تعد تملك "جغرافيا برية"؛ بل تشكل حالة عابرة للسماء في الشرق الأوسط عموماً، فالملاحظتان الأساسيتان على تفاصيل "التسوية" المسربة تتلخص بنقطتين:


الأولى مرتبطة بنوعية الاستقطاب الإقليمية الذي لم تعد "إسرائيل" محوره؛ بل إيران التي تشكل الحالة الخاصة في الإقليم، فهي اليوم من دون ذراعها الغربي الذي كان موجوداً في سوريا ولبنان.


هذا التفصيل أساسي على المستوى السياسي وليس في أي مسار للمعارك القادمة؛ لأنه يمثل جناحاً خاصاً يظهر ليشكل مسافة واضحة ما بين مرحلة "محور المقاومة" والواقع الحالي الذي تشكله "سياسة الاستثمارات" التي تطرحها الإدارة الأمريكية في طريقة معالجتها لأزمات الشرق الأوسط.


النقطة الثانية مرتبطة بالتصفيات النهائية على الجبهة اللبنانية، فسواء حصلت "التسويات" التي تحدثت عنها المحطة العبرية أم بقيت مجرد تسريبات، سيبقى التحذير من أن الجبهة في لبنان لن تجد بعداً استراتيجياً لها.


اللافت أن الحديث عن التهدئة في الجولان يرافقه تصعيد في الجنوب اللبناني، في إشارة أولية إلى أن جغرافيا المعارك تسير على إيقاع "احتمالات" التسويات القادمة لا على منطق الانفجار الشامل، فالتناقض الظاهري بين التهدئة والتصعيد لا يظهر فوضى في القرار؛ بل توزيعاً دقيقاً للأدوار والرسائل؛ إذ تستخدم بعض الجبهات أوراق تفاوض، وأخرى مساحات اختبار للردود.


تبدو سوريا أقرب إلى موقع "الممر الإجباري" لأي ترتيب إقليمي جديد، لا بوصفها طرفاً فاعلاً في صناعة التسوية؛ بل بصفتها ساحة يجري فيها تثبيت التوازنات، فالتسويات الأمنية المطروحة لا تعني نهاية الصراع، بقدر ما تعني انتقاله من صورته الصاخبة إلى شكله البارد؛ إذ تدار الأزمات بالضبط الأمني لا بالمواجهات المفتوحة.


لا يمكن فصل التسويات الأمنية المطروحة عن لحظة الإنهاك الإقليمي العام؛ إذ تبدو جميع الأطراف أقل شهية للمغامرة وأكثر ميلاً إلى إدارة الخسائر بدل تعظيم المكاسب، فالتسوية هنا لا تقرأ بوصفها اتفاق سلام؛ بل آلية تأجيل للصدام، وضبط لإيقاعه، وتدوير لزواياه الحادة.


إنها تسوية الضرورة لا القناعة تفرضها موازين القوى المتحركة لا الرغبات السياسية الثابتة، وتصبح سوريا ساحة اختبار لنموذج جديد من الصراع المدار؛ إذ تخفف الضربات من دون أن تتوقف، وتضبط الرسائل من دون أن تلغى، بانتظار لحظة إقليمية أكثر وضوحاً، تعيد خلط الأوراق من جديد، ولكن ضمن شروط مختلفة وقواعد أقل فوضوية مما عرفته المنطقة في العقد الماضي.

إنها تسوية الضرورة لا القناعة تفرضها موازين القوى المتحركة لا الرغبات السياسية الثابتة..

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026