رأي - أيهم أسد
تعد حالة التنافر بين الحكومة والمواطنين أحد أبرز أسباب فشل السياسة العامة في الدول كافة، فكلما ابتعدت القرارات الحكومية عن الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الحقيقية التي يعيشها المواطنين، أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بينهما، والنتيجة الحتمية لذلك التنافر هو زيادة حدة التوترات والمشكلات الاجتماعية، فمنطق السياسة العامة أينما كان لا بد وأن ينطلق من تحليل حاجات الناس وتحليل السياق العام لتلك السياسة لتحقيق العدالة بين المواطنين، لا أن ينطلق من تحليل احتياج صانع السياسة وشركائه من شبكات اقتصادية ومستثمرين محليين أو خارجيين، ولا أن ينطلق من منظور مالي بحت وضيق جداً من دون الاعتبارات الإنسانية والاجتماعية، وهذا طبعاً من بديهيات صنع السياسة العامة.
تندرج سياسة رفع أسعار الكهرباء بالصدمة ووفق الشكل الذي يحدث اليوم بتأثير فعل توليد التنافر بين الحكومة والمواطنين، وتعزز تراجع الثقة بالحكومة، كما تندرج ضمن منطق الفكر المالي لا الفكر الاجتماعي الذي يهتم فقط بجباية الأموال من دون النظر إلى النتائج الاجتماعية المترتبة على تلك الجباية من زيادة حدة الفقر والحرمان الاجتماعي والتهميش أكثر فأكثر، كما تندرج ضمن فكرة فرض الحكومة تحميل المواطن السوري أعباء تاريخية في منظومة الكهرباء هو غير مسؤول عنها بالأساس بفعل الحرب والفساد التاريخي والتي تعد اليوم من واجبات الحكومة الأساسية وعليها يقع الحل مثل مشكلات توليد الكهرباء ونقلها وتوزيعها.
ويبدو أن الهوة بين الحكومة والمواطنين آخذة في الاتساع أكثر فأكثر حيال إدارة ملف الكهرباء بالوقت الذي لم تبدِ فيه الحكومة الانتقالية حتى الآن أي مرونة تذكر؛ بل تتجه نحو الإصرار على سياساتها، وبالتالي فإن لم تسرع الحكومة الانتقالية بمعالجة ملف الكهرباء معالجة شاملة وجذرية معالجة تحقق العدالة، وتحديداً في ضوء الوقائع الاجتماعية والاقتصادية القاسية التي ما زال المواطن السوري يعاني منها، فإن التدهور حاصل لا محالة في حياة الناس أكثر.
ومن معطيات السياق العام التي تدعم التدهور القادم يفعل صدمة أسعار الكهرباء محدودية فرص العمل نتيجة دمار البنى التحتية وانهيار القطاع العام الاقتصادي، وضعف الاستثمارات المحلية والخارجية وارتفاع معدلات سوء أو انعدام الأمن الغذائي للأسر السورية وانخفاض مستويات الدخل، وانتشار العمل الهامشي، وضعف عمليات إعادة الإعمار، وغياب نظم حماية اجتماعية فعالة، وعلى الرغم من ذلك السياق الاجتماعي العام، يستمر الإصرار الحكومي على سياسة رفع أسعار الكهرباء بالصيغة التي قدمتها وزارة الطاقة.
وبالنتيجة لن تترجم سياسة رفع أسعار الكهرباء إلا بمنزلة السياسة العامة المنفصلة عن السياق العام للاقتصاد السوري، والمنفصلة عن الحالة الاجتماعية العامة للمواطنين، والسياسة التي تلبي الاحتياج المالي فقط لصانع السياسة، أي لا بد من إعادة النظر في سياسة الكهرباء ضمن السياق العام للحالة السورية اليوم من دون تردد أبداً، فمنطق الصدمة لن ينفع بالحل.


