هاشتاغ
بحث

سيكولوجية التوتاليتاريا في سوريا

29/01/2026

سيكولوجية-التوتاليتاريا-في-سوريا

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - مالك الحافظ

 

التوتاليتاريا، في معناها التحليلي، هي نظام سيطرة شامل يعمل على إخضاع السياسة والمجتمع والوعي في وقت واحد. هي نمط حكم يسعى إلى احتكار المعنى، تنظيم الخوف، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية بما يضمن الامتثال طويل الأمد. ذلك لا ينحصر في توصيف الدولة وأجهزتها، بل يشمل البنية النفسية التي تنتج الطاعة بوصفها سلوكاً اجتماعياً مستقراً.

 

هذا التعريف، الذي بلورته حنة آرنت في سياق دراستها للأنظمة الشمولية، توسّع لاحقاً ليشمل البعد النفسي للجماهير، وهو ما يشكّل جوهر كتاب سيكولوجية التوتاليتاريا لماتياس دسميت.

 

في هذا المنظور، فإن التوتاليتاريا لا تبدأ بالقمع، بل بحالة اجتماعية–نفسية تسبق ظهور العنف المنظم، ليكون العنف هنا نتيجة لاحقة، وليس نقطة الانطلاق.

 

ينطلق دسميت من فرضية مركزية مفادها أن المجتمعات الحديثة تصبح قابلة للتوتاليتاريا حين تدخل في حالة تزامن نفسي جماعي ناتج عن أربعة عناصر متداخلة: تفكك الروابط الاجتماعية، فقدان المعنى، القلق العائم، والاستعداد للاندماج في خطاب شامل. وهذا الإطار التحليلي يتيح قراءة الحالة السورية خارج التفسير الاختزالي الذي يحصرها في الاستبداد أو القمع المباشر.

 

وتقدّم سيكولوجية التوتاليتاريا باعتبارها حقلاً تفسيرياً مختلفاً عن التحليل السياسي الكلاسيكي؛ مركز الثقل فيها لا يتموضع داخل مؤسسات الحكم أو آليات القمع المباشر، بل داخل البنية النفسية للمجتمع ذاته. هذه المقاربة تتيح قراءة الحالة السورية كتجربة طويلة لإعادة تشكيل الوعي الجمعي، حيث لم تكن السيطرة ناتجة عن فائض القوة وحده، وإنما عن هندسة نفسية دقيقة طالت الفرد والجماعة معاً.

 

سوريا في زمن حزب البعث شكّلت نموذجاً واضحاً لهذا النمط من الحكم، حيث لم يكن الأمر مقتصراً على سيطرة حزب واحد أو أجهزة أمنية واسعة النفوذ، بل على إعادة تنظيم شاملة للمجال العام. حيث أُفرغت السياسة من مضمونها التداولي، والعمل الجماعي المستقل قد جرى تحييده، واللغة العامة خضعت لإطار تفسيري واحد، وليترافق هذا المسار مع تفكيك ممنهج للروابط الاجتماعية، وتحويل المجتمع إلى وحدات فردية معزولة، تفتقد شبكات الثقة والدعم خارج الدولة.

 

ضمن هذا الإطار، تشكّلت بنية نفسية جماعية تقوم على الحذر الدائم، وضبط السلوك الذاتي، وتكييف الطموحات مع حدود غير معلنة. هذه كانت نتاج سياسات طويلة الأمد هدفت إلى إنتاج الطاعة كممارسة يومية.

 

أحد أعمدة التوتاليتاريا البعثية تمثّل في إنتاج قلق نفسي عام غير محدد المصدر، حيث لم يكن هذا القلق مرتبطاً بخطر واضح، إنما بحالة دائمة من عدم اليقين، سواء من خلال العقاب غير المتوقع، والخطوط الحمراء غير المعلنة، والخطاب التحذيري المستمر، جميعها أسهمت في خلق مناخ نفسي يدفع الأفراد إلى الانضباط المسبق. في هذا المناخ، لم تعد السلطة بحاجة إلى التدخل المباشر في كل تفصيل، إذ تولّى الأفراد مهمة ضبط أنفسهم بأنفسهم.

 

أحد المفاهيم المركزية في سيكولوجية التوتاليتاريا يتمثل في التفكك الاجتماعي أو ما يُعرف بالذرّية الاجتماعية. المجتمع السوري خضع عبر عقود، لعملية تفكيك ممنهجة للروابط الأفقية. النقابات، الجمعيات، الفضاءات العامة، وحتى الروابط المهنية، جرى تحييدها أو إخضاعها لمنطق السيطرة. هذا التفكك كان شرطاً ضرورياً لتحويل الأفراد إلى وحدات معزولة، تفتقد شبكات الدعم الاجتماعي، وتعجز عن بناء ثقة متبادلة خارج الإطار الرسمي.

 

تقاطُع العزلة الاجتماعية، فقدان المعنى السياسي، والقلق العائم، أنتج ما تصفه النظرية بـ"تشكّل الجماهير". ففي سوريا البعث، تحوّل المجتمع تدريجياً إلى كتلة نفسية تتماهى مع خطاب مركزي، وتعيد إنتاجه في الحياة اليومية. هذا التماهي لم يكن قائماً على اقتناع عقلاني، ولكنه كان على وظيفة نفسية تتمثل في تخفيف التوتر الداخلي ومنح إحساس بالانتماء ضمن بيئة مغلقة.

 

سقوط نظام الأسد البائد أنهى شكلاً من أشكال التوتاليتاريا، لكنه لم يُلغِ الشروط النفسية التي سمحت بتكوّنها. فسوريا التي يُفترض بها أن تكون جديدة تواجه إرثاً ثقيلاً من الذرّية الاجتماعية، القلق المتراكم، وانعدام الثقة. هذه الشروط تشكّل بيئة خصبة لإعادة إنتاج أنماط شمولية، حتى في غياب حزب واحد أو جهاز مركزي قوي.

 

الخطورة لا تكمن في عودة تجربة البعث بصيغتها السابقة، بل في نشوء صيغ جديدة من السيطرة الشاملة، تستخدم خطاب الأمان، الاستقرار، أو الخلاص الجماعي لتعبئة جمهور مرهق نفسياً. التوتاليتاريا، في هذا المعنى، لا تحتاج بالضرورة إلى أيديولوجيا متماسكة، وإنما تحتاج إلى مجتمع مفكك يبحث عن معنى جاهز.

 

التجربة السورية تكشف أن التوتاليتاريا هي عملية نفسية طويلة المدى، وفهم هذه العملية يتيح قراءة أعمق لمأزق الحاضر، ويبيّن أن أي مسار تغييري يتجاوز سطح السياسة إلى عمق النفس الاجتماعية. هذا الفهم لا يقدّم حلولاً سريعة، لكنه يضع إطاراً تفسيرياً ضرورياً لفهم كيفية تشكّل الطاعة، وكيف يمكن تفكيكها على المدى الطويل.

 

لذا فإن الانتقال السياسي في سوريا لا يمكن أن يُختزل في إعادة بناء المؤسسات أو تغيير النخب، إذ أنه ومن دون معالجة البنية النفسية التي أنتجتها عقود الحكم التوتاليتاري، يبقى خطر التكرار قائماً. فاستعادة السياسة تتطلب إعادة بناء الروابط الاجتماعية، وفتح المجال العام، وتخفيف القلق العائم عبر آليات مشاركة حقيقية. وأي مشروع يتجاهل هذه الشروط، مهما كانت نواياه، يغامر بإعادة إنتاج منطق السيطرة الشاملة بأدوات مختلفة.

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026