مازن بلال
منذ انهيار سلطة البعث في سوريا قبل عام، تواجه البلاد فراغاً سياسياً وأمنياً غير مسبوق، لا يشبه انهيار الدولة بقدر ما يظهر تحولها إلى مساحة إعادة تشكل ضمن خطوط نفوذ متداخلة، فالمشهد الراهن لا يمكن تفسيره فقط بالسياسة؛ بل بالجغرافيا التي أصبحت ميدان الصراع الحقيقي.
ويبدو "الدرس الفنزويلي" حاضراً كمرآة معكوسة، فبينما بقيت السلطة في كاراكاس وتآكلت الدولة من الداخل، سقطت السلطة في دمشق وبقيت الدولة تبحث عن مركز جديد يعيد تعريفها.
في التجربة الفنزويلية شكل الصمود في مراحل الأزمة خياراً استراتيجياً مكلفاً، وأنتج دولة تدور حول نفسها من دون أفق تحول، أما في سوريا، فإن سقوط النظام كشف أن البنية المركزية التي حكمت البلاد عقوداً عدة لم تعد متماسكة، والدولة ما بعد النظام تواجه اختبار الوجود وليس فقط مسألة إدارة، فالقوى المحلية التي ظهرت بعد الفراغ السياسي لا تسعى إلى إسقاط ما تبقى من الدولة؛ بل إلى امتلاك تعريفها، وهذا يجعل الصراع الراهن صراعاً على هوية الدولة لا على سلطتها.
الدرس الفنزويلي يقدم تحذيراً بالغ الأهمية، فالأزمات الطويلة لا تخلق حلولاً؛ بل تؤسس لثقافة إدارة الانهيار، وسوريا اليوم مهددة بإعادة إنتاج هذه الثقافة؛ إذ يتحول الخطاب الوطني إلى أداة لإدامة التوازن بين مناطق النفوذ، بينما تغيب الرؤية الواضحة لإعادة بناء المؤسسات، فالمعضلة في كيفية تحويل الجغرافيا إلى مشروع سياسي جامع بدل أن تكون خريطة لتوزيع السيطرة.
في عمق الأزمة، يتبدى أن الجغرافيا السورية نفسها أصبحت المورد السياسي الأول؛ من الشرق حيث الطاقة والمعابر، إلى الجنوب حيث الممرات الأمنية، تتعامل القوى الإقليمية مع سوريا بوصفها عقدة وصل، لا دولة ذات قرار، هذا الامتداد جعل من إعادة بناء الدولة مسألة توازن دولي أكثر منها شأناً داخلياً، تماما كما تحولت فنزويلا إلى ساحة تنازع بين واشنطن وموسكو على مواردها ونفوذها.
الفارق الجوهري يبقى في التاريخ الاجتماعي، ففنزويلا احتفظت بمركز قومي واحد على الرغم من أزماتها، أما سوريا فتدخل مرحلة إعادة تعريف للهوية الوطنية نفسها، بعد تفكك سلطتها التقليدية وظهور مراكز نفوذ متعددة، فالدرس الفنزويلي في الحالة السورية يتعلق بقدرة المجتمع على تحويل السقوط إلى تأسيس جديد، فالدولة تقف اليوم أمام تحد أساسي في بناء نفسها.
لا يمكن النظر إلى ما جرى في سوريا بوصفه تحولاً سياسياً فقط؛ بل انعطافاً في معنى الدولة نفسها، فالمسافة بين سقوط النظام وبداية التأسيس الجديد ليست زمناً فاصلاً بقدر ما هي اختبار للوعي في تجاوز منطق البقاء إلى مشروع وجود.
الدرس الفنزويلي تحذير من أن الدولة التي تتكيف مع الانهيار تفقد قدرتها على النهوض، ومستقبل سوريا لن يرسم على طاولة التفاهمات وحدها؛ بل في قدرتها على الانتقال من الجغرافيا بوصفها ساحة تنازع إلى إطار وطني جامع، يعيد تعريف السلطة بوصفها وظيفة عامة لا احتكارا، والسيادة بوصفها علاقة بين المجتمع والدولة لا بين المركز والأطراف.
مستقبل سوريا لن يرسم على طاولة التفاهمات وحدها؛ بل في قدرتها على الانتقال من الجغرافيا بوصفها ساحة تنازع إلى إطار وطني جامع.


