هاشتاغ
بحث

حين تُدار الدولة.. بالالتباس

05/01/2026

حين-تُدار-الدولة..-بالالتباس

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - محمد محمود هرشو

 

 

قال جورج أورويل يومًا إن "اللغة السياسية صُممت لتجعل الأكاذيب تبدو صادقة، والقتل محترمًا، والفراغ ممتلئًا".


وفي بلادنا، يمكن إضافة تتمة صغيرة: "ولتجعل الغموض يبدو حكمة".

 

ما جرى في الأيام الأخيرة لا يمكن فهمه بوصفه حادثة واحدة، بل بوصفه مناخًا.

 

مناخ تتزاحم فيه الأصوات، وتختفي فيه الرواية الواضحة، ويُترك المواطن وحيدًا أمام سيل من الاحتمالات.

 

إشاعة تظهر لا تُنفى بشكل قاطع، ولا تُؤكَّد.

 

تُترك لتفعل ما تجيده: إنهاك الذهن.

 

ثم حدث أمني في مكان لا تُرتكب فيه الصدف. ثم أصوات انفجارات في الليل.

 

ثم تفسير عام وفضفاض: تدريب.

 

في علم النفس، يشرح فرويد أن العقل حين يُحرم من التفسير، لا يتوقف عن العمل، بل يخلق سرديات بديلة لحماية نفسه من القلق. وهذا ما يحدث تمامًا في الفضاء العام: حين تغيب المعلومة، لا يسود الصمت، بل تسود التأويلات.

 

المشكلة هنا ليست في الإشاعة، ولا في القلق الشعبي، بل في الاعتقاد الضمني بأن الناس لا تحتاج إلى الفهم، بل إلى الانشغال. وأن كثرة الأحداث تُغني عن الشرح. وأن الغموض، بحد ذاته، أداة ضبط.

 

فرانز كافكا كتب عن عالمٍ تتحرك فيه السلطة دون تفسير، وتُفرض فيه القرارات بلا معنى مفهوم، فيتحول الإنسان إلى كائن قَلِق، لا لأنه مهدد، بل لأنه لا يعرف موقعه من القصة. وهذا القلق، حين يطول، لا يحمي الاستقرار، بل يآكله ببطء.

 

لا أحد يطالب بروايات كاملة، ولا بتفاصيل أمنية حساسة. لكن الفارق كبير بين الصمت المسؤول والصمت المربك.

الأول مؤقت وضروري. والثاني دائم ومُنهك.

 

حين تتكرر الحوادث بلا رواية، لا يعود السؤال: هل ما قيل صحيح؟

 

بل يصبح: لماذا لا يُقال شيء واضح؟

 

وهنا تكمن الخطورة. فالدولة التي تراهن على الغموض قد تنجح مؤقتًا في تخفيف الضغط، لكنها تخسر تدريجيًا أهم ما تحتاجه، وهو الثقة.

 

والثقة، كما تقول حنّة آرنت، لا تُبنى بالقوة ولا بالضجيج، بل بالقدرة على جعل الواقع مفهومًا.

 

في النهاية، لا تسقط الدول بسبب إشاعة ذكية، ولا بسبب تدريب ليلي، ولا بسبب حادث أمني ملتبس.

 

تتآكل عندما يصبح الالتباس هو اللغة، والضجيج هو البديل عن الشرح.

 

ويبقى السؤال، بسيطًا وعنيدًا: ما الذي يحدث؟

التعليقات

الصنف

خطوط حمر

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

الكلمات المفتاحية

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026