هاشتاغ - نضال الخضري
منذ عقد ونصف لم تعد حلب مقترنة بوصف خاص بها، فرحل "النسيج" الحلبي وأصناف الطعام بها، وأصبحت خريطة لخطوط التماس ولأسماء الأحياء، وتحولت الهوية البصرية من "عاصمة الثقافة الإسلامية" قبل أعوام، إلى طيف غير معرف من أنواع القذائف وأسماء الميليشيات، فالجغرافيا الحلبية لم تخلق منتصراً ومهزومً؛ بل ألواناً من انكسار الثقافة أمام الصراعات.
عاشت كافة المدن السورية حالة مشابهة من رحيل الهوية البصرية، وبقي الحدث السياسي، أو العسكري، يخنق الأنفاس ويبدل كل التصورات التي عاشتها الأجيال في العقود الماضية، وإذا كان مصير المدن التاريخية هو تحول الدائم، فإن المساحة المتاحة في عصر الفضاء الافتراضي والذكاء الصناعي ربما لا تتيح إعادة أي هوية إلى مكانها الصحيح.
الفكر السياسي يتحدث عن عصر ما بعد الدولة، والمدن السورية تشهد حالة "ما بعد الثقافة" عندما يصبح الشك واللايقين الحالة المثلى للعلاقات الإنسانية، وفي حلب هناك تجلٍّ قاسٍ يطرح معادلة قاسية ما بين النجاة والحفاظ على "قيم المدينة".
لم تكن حلب مجرد مساحة جغرافية فقط؛ بل كانت فكرة، فالمدينة التي جمعت الحِرفي والتاجر والمثقف في نسيجٍ واحد، وتداخلت فيها الهويات في المهنة واللهجة والموسيقا، لن يكون انكسارها مادياً فقط، إنما انهيار للرمز ولهويةٍ تُلخّص معنى "المدنية" السورية، وما يحدث لها لحظة انكشافٍ كامل لعجز الدولة والمجتمع معاً عن حماية المعنى.
الأجيال الجديدة في حلب التي لم تعرف المدينة قبل الحرب، ترى أحياء المدينة في الحدث ومن الفضاء الرقمي، فذاكرة "الفيسبوك" و"اليوتيوب" باتت سجلًا بديلاً للمدينة التي انزاحت هويتها البصرية سريعاً، وباتت الصور القديمة، والمقاطع القصيرة ذاكرة جمعية افتراضية، يشارك فيها أبناء المدينة المهاجرون في أقصى بقاع الأرض، فتحولت حلب إلى فكرة موزّعة على "الخوادم" والصفحات، وغدت مدينة تُعاد صياغتها في العالم الرقمي بعد ما تهشمت بصفتها تراثاً في العالم الواقعي.
"طيف حلب" لا يزال حاضراً بصفة عنصر تذكير ومساءلة؛ يطلّ من بين الركام ليذكّر السوريين بأن المدن لا تموت؛ بل تتحوّل، وأن فقدان الشكل لا يعني بالضرورة انهيار الجوهر، ففي كل مدينة محطّمة ظل لحلبٍ فهي رمزٌ لفقدٍ عامّ وحنينٍ مشترك.
تدخل حلب مرحلة مختلفة من وجودها، فهي تتعلّم من هشاشتها، فوسط الإنهاك والفراغ، تُعيد تعريف نفسها بصفتها فكرة لا صورة، وبصفتها خبرة بشريةٍ تتشكّل من البقاء والتكيّف أكثر مما تتكوّن من المباني والأسواق، لم يعد السؤال فيها عن الأطراف التي تتحارب؛ بل عن المعنى الممكن للمدينة في زمنٍ فقدت فيه وظائفها الرمزية.
سيبقى "طيف حلب" مرآةً لكل المدن السورية لأنها تعلمنا أن البقاء بذاته فعل ثقافي، وإعادة تعريف الهوية ليست مهمة النخبة فقط؛ بل مسؤولية كل من قرر أن يفتح نافذةً صغيرة في جدار الرماد، ويكسر أسماء الأحياء التي تشتعل ويجعلها جزءاً من تصورات القادم على الرغم من كل الفوضى التي تلف المدينة.


