مازن بلال
وضع الاتفاق بين سلطة دمشق وقسد صورة جديدة للواقع الإقليمي، فهو ليس تفاهماً عن مستقبل الأكراد؛ بل اختبار لإدارة الواقع السوري خارج مسارات التفاهم العادية، وأظهرت ردود الفعل الإقليمية وخاصة من إقليم كردستان العراق أن الأطراف كافة غير مستعدة لخلق توازن جديد عبر النموذج السوري، فالاتفاق هو "تطبيع" للمسألة الكردية مع النظام الإقليمي الذي لا يحمل استقراراً واضحاً إنما "كبح" لأي احتمالات خطرة.
الأحداث التي رافقت توقيع الاتفاق أنهت ملفاً أساسياً متعلقاً بـ"داعش"، فإغلاق المعسكرات الخاصة بأعضاء التنظيم في سوريا غيًر من الوظائف التي "أوكلت" لقسد، ورسمت ملامح جديدة لسد الفراغ السياسي الذي ظهر في سوريا بعد عام 2024، فمستقبل الأكراد في سوريا لم يكن المشكل الرئيسي لمن قام بهندسة الاتفاق؛ بل إعادة توزيع القوة على الجغرافيا السورية لخلق ظروف تتناسب مع وضع "قوة الدولة" وفق حدود واضحة وقابلة للتحكم.
يظهر الاتفاق محاولة لإعادة إدخال الشمال الشرقي في معادلة الدولة، لا بوصفه فضاء سيادياً كاملاً؛ بل بوصفه مساحة منضبطة أمنياً وسياسياً، وسلطة دمشق التي تدرك هشاشة وضعها الإقليمي والدولي، لا تسعى إلى استعادة سيطرة كاملة بالمعنى الكلاسيكي؛ بل إلى إدارة مناطق النفوذ بترتيبات مرنة تخفف كلفة الصدام، وتمنحها هامش حركة في مواجهة ضغوط خارجية متعددة، أما "قسد" فهي أمام واقع جديد يفرض عليها الانتقال من دور "الشريك الدولي" في الحرب على الإرهاب إلى فاعل محلي محكوم بتوازنات داخلية وإقليمية أكثر تعقيداً.
العملية التي رافقت التفاوض توضح مسألتين أساسيتين:
الأولى أن الإشكالية الأعمق أن الاتفاق لا يقدم إجابة حقيقية عن سؤال السياسة، فإعادة توزيع القوة لا تعني بالضرورة إعادة بناء الشرعية، وضبط الأمن لا يساوي معالجة جذور الصراع، والمسألة الكردية، التي تم "تطبيعها" ضمن منطق إدارة الأزمة، ستبقى مفتوحة طالما لم تدمج في عقد وطني أوسع يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس الحقوق لا الوظائف.
المسألة الثانية أن الاتفاق يظهر تحولاً في مفهوم الحلول الإقليمية، فمن البحث عن تسويات شاملة إلى إدارة دائمة للهشاشة، فالاستقرار هو لمنع الانهيار، وهذا يفسر محدودية ردود الفعل المرحبة، وغياب أي اندفاع حقيقي للاستثمار السياسي في مخرجات الاتفاق، فالجميع يتعامل معه بصفته حلاً مؤقتاً، أو إجراء تقنياً لضبط مرحلة انتقالية مفتوحة على المجهول.
قراءة ما توصلت إليه سلطة دمشق مع قسد لا يمكن فصله عن السياق الإقليمي الأوسع؛ إذ تتراجع مشروعات إعادة البناء السياسي لصالح ترتيبات أمنية مرنة، فالاتفاق يعبر عن ميزان قوى هش، وعن رغبة جماعية في تأجيل الأسئلة الكبرى، أما مستقبل الأكراد، والدولة السورية نفسها، فسيبقى رهناً بلحظة سياسية لم تنضج بعد، وبإرادة إقليمية ما زالت تفضل إدارة الأزمة على حلها، فهناك آلية احتواء مرحلية، وليس مساراً تأسيسياً يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمجتمع ضمن إطار مستقر وقابل للاستمرار.
مستقبل الأكراد، والدولة السورية نفسها، فسيبقى رهناً بلحظة سياسية لم تنضج بعد، وبإرادة إقليمية ما زالت تفضل إدارة الأزمة على حلها...


