محمد محمود هرشو
تأتي حلقة الدكتور أحمد نسيم برقاوي الأخيرة بوصفها مناسبة فكرية نادرة لإعادة فتح سؤال مؤجل في النقاش السوري: لماذا فشلت الدولة، ولماذا يتكرر الفشل بأشكال مختلفة، رغم تغيّر الوجوه والوقائع؟
ليس لأن السوريين "غير مهيّئين للدولة" ، ولا لأن المجتمع "متنوّع أكثر من اللازم" ، بل لأن المدينة، بوصفها الفضاء السياسي الطبيعي لبناء الدولة، جرى تفريغها عمدا من دورها، واستبدالها بعصبياتٍ ما دون الدولة.
الفكرة الجوهرية التي يطرحها برقاوي لا تتعلق بصراعٍ بين الريف والمدينة، ولا تنطوي على أي ازدراء اجتماعي. المقصود هو شيء مختلف تماما: ترييف المدينة سياسيا، أي نزع أدواتها التمثيلية والمؤسسية، وتحويلها من مجتمع مواطنين إلى كتلة سكانية تُدار عبر وسطاء، وجهاء، مشايخ، و"ضامنين اجتماعيين" .
منذ لحظة استيلاء حافظ الأسد على السلطة عام 1970، بدأ مسارٌ منهجي لتفكيك المدينة السورية بوصفها فاعلا سياسيا. المدينة التي كانت، قبل ذلك، حاضنة النقابات، والأحزاب، والبرلمان، والجامعات، والطبقة الوسطى المتعلّمة، جرى تحييدها عبر ضرب مؤسساتها، وتجفيف السياسة منها، وربط الصعود الاجتماعي والوظيفي بالمؤسسة الأمنية والعسكرية، لا بالكفاءة أو التمثيل العام.
في المقابل، أُعيد الاعتبار للعصبيات، لا بوصفها مكوّنا اجتماعيا طبيعيا، بل كأداة حكم. العشيرة، الطائفة، الرابطة الريفية، تحوّلت من روابط اجتماعية إلى وسائط سياسية. هذا النمط من الحكم لا يستطيع العيش داخل مدينة حيّة، لأن المدينة، بحكم تعريفها، تُنتج مساءلة، وتنظيما، ومصالح عامة، وصراعا سياسيا عقلانيا. لذلك كان لا بد من إخضاعها.
هذه المقاربة ليست حكرا على برقاوي. كثير من المفكرين الذين درسوا بنية السلطوية في سوريا والمنطقة، أشاروا إلى أن الاستبداد الحديث لا يحكم بالقمع وحده، بل بإعادة تشكيل المجتمع نفسه. حين تُفرغ السياسة من مضمونها المؤسسي، وتُستبدل بالولاء الشخصي، تصبح العصبية ضرورة تشغيلية للسلطة، لا مجرّد ظاهرة اجتماعية.
المشكلة أن هذا المسار لم يتوقف. بل إن ما نشهده اليوم، في ظل السلطة الحالية، يبدو في كثير من جوانبه استكمالا أكثر فجاجة لما بدأه الأسد الأب. تعويم واضح لدور العشائر، تعيين مشايخ ووجهاء بصفات "تمثيلية"، التعامل مع المدن بوصفها مناطق يجب ضبطها أمنيا لا مجتمعات يجب إشراكها سياسيا، واستمرار تعطيل أي شكل حقيقي للتمثيل المؤسسي.
المدينة هنا ليست دمشق أو حلب كجغرافيا، بل كفكرة: بلدية منتخبة، نقابة مستقلة، اتحاد مهني، جامعة لها استقلالها، إعلام محلي، قضاء يُحتكم إليه لا يُلتف عليه. حين تُسحب هذه الأدوات، لا يبقى أمام سكان المدن سوى خيارين: الانكفاء أو الخضوع.
التاريخ السوري نفسه يقدّم الدليل المعاكس، في الفترات التي كانت فيها المدن قوية - في الخمسينيات مثلًا - رغم كل الفوضى السياسية، كانت هناك حياة عامة، تداول سلطة، صحافة، أحزاب، ونقاش وطني. لم تكن الدولة مثالية، لكنها كانت دولة قابلة للإصلاح، لأن المجتمع كان منظّما داخل مؤسسات.
إعادة الاعتبار للمدينة لا تعني إقصاء الريف، ولا كسر التوازن الاجتماعي، بل العكس تماما. المدينة القوية هي الضامن لوحدة المجتمع، لأنها تُذيب العصبيات داخل إطار المواطنة، وتحوّل الانتماء من الدم والأصل إلى القانون والمصلحة العامة. من دون مدينة حيّة، لا يمكن توحيد سوريا، بل فقط إدارتها مؤقتا عبر صفقات وتسويات هشة.
خلاص سوريا، إن كان ممكنا، لا يمر عبر تكبير العشائر ولا عبر إعادة إنتاج الهويات ما دون الوطنية، بل عبر استعادة السياسة إلى المدينة، وبناء دولة تقوم على المؤسسات لا الوساطات، وعلى الكفاءة لا الولاء، وعلى المواطنة لا العصبية.
دون ذلك، سنبقى ندور في حلقة استبدادٍ تتغيّر وجوهه، لكن يبقى جوهره واحدا.
لا يمر بناء سوريا عبر تكبير العشائر ولا عبر إعادة إنتاج الهويات ما دون الوطنية، بل عبر استعادة السياسة إلى المدينة، وبناء دولة تقوم على المؤسسات لا الوساطات، وعلى الكفاءة لا الولاء، وعلى المواطنة لا العصبية.


