رأي - محمد محمود هرشو
تتكرر منذ عام ونصف صور الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع وهو يلتقي رجال أعمال سوريين وعرباً وأجانب في قصر الشعب، إلا أن هذه اللقاءات، رغم كثافتها، لا تُنتج شيئاً يمكن قياسه على الأرض. المشهد بات مألوفاً: صور رسمية في القصر الجمهوري، حديث عن فرص استثمارية وتسهيلات، إشارات إلى اهتمام خارجي، وربما توقيع بالأحرف الأولى، ثم ينتهي كل شيء. لا مشاريع تُطلق، ولا استثمارات تتحول إلى واقع، ولا اقتصاد يلتقط أنفاسه.
في أي مكان آخر، كان يمكن تفسير هذا التباين بأنه تأخير طبيعي في التنفيذ، لكن في الحالة السورية، المشكلة أعمق من ذلك بكثير كما أعتقد. الاستثمار لا يبدأ من "الفرصة"، بل من تقييم المخاطر، وهذه هي النقطة التي تتعثر عندها كل هذه اللقاءات. أي مستثمر جدي، سواء كان إقليمياً أو دولياً، يسأل أولاً عن الاستقرار السياسي والأمني، عن وضوح القواعد القانونية، عن قدرة المؤسسات على تنفيذ العقود وحماية الحقوق. وهذه ليست أسئلة نظرية، بل شروط أساسية أكدتها مراراً تقارير مؤسسات مثل البنك الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، التي تُظهر أن رأس المال يتجه إلى البيئات التي يمكن التنبؤ بها، ويبتعد عن تلك التي تبقى مفتوحة على احتمالات التصعيد.
سوريا اليوم، بحكم الواقع، لا تقدم هذه الطمأنينة. بلد لم يستقر سياسياً بعد، ولا يزال معرضاً لتقلبات أمنية، ويعيش تحت ضغوط اقتصادية واجتماعية هائلة، لا يمكن أن يكون وجهة استثمارية طبيعية. هذه ليست قراءة متشائمة، بل قاعدة اقتصادية بديهية: الاستثمار يحتاج إلى بيئة مستقرة، لا إلى وعود فقط.
ومع ذلك، تستمر اللقاءات، بل وتتكثف، ما يطرح سؤالاً مختلفاً: إذا كان المستثمر الحقيقي لا يأتي، فلماذا هذا الإصرار على إظهار العكس؟ الإجابة الأقرب أن هذه اللقاءات لم تعد تُقرأ كمسار اقتصادي بقدر ما أصبحت أداة سياسية ونفسية. بلد يعيش فيه ملايين تحت خط الفقر يحتاج إلى إشارات أمل، إلى انطباع بأن هناك اهتماماً خارجياً، وأن هناك أموالاً قد تأتي. في هذا السياق، تتحول الصور والبيانات إلى بديل مؤقت عن النتائج، وتصبح "الاستثمارات المعلنة" جزءاً من خطاب التهدئة الاجتماعية، لا من سياسة اقتصادية مكتملة.
لكن المشكلة أن هذا الخطاب، إذا لم يُترجم، يفقد أثره مع الوقت. الفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق لا يمكن إخفاؤها طويلاً، بل تتحول إلى عامل إحباط إضافي. فالمجتمع لا يقيس الاقتصاد بالكلمات، بل بما يراه: فرص عمل، مشاريع، حركة إنتاج. وعندما يغيب ذلك، تتراجع الثقة، لا فقط بالوعود، بل بالمسار كله.
إلى جانب ذلك، تكشف طبيعة هذه اللقاءات عن خلل بنيوي أعمق. في الاقتصادات المستقرة، لا يبدأ المستثمر من القصر، بل من المؤسسات: هيئة استثمار، وزارة اقتصاد، أطر قانونية واضحة، فرق تفاوض، دراسات جدوى. أما حين يصبح القصر هو نقطة الدخول، فذلك غالباً لأن ما دونه غير مكتمل أو غير كافٍ. المستثمر يلجأ إلى أعلى مستوى سياسي لأنه لا يجد مساراً مؤسسياً واضحاً يضمن له حقوقه. وهذا بحد ذاته مؤشر على أن المشكلة ليست في جذب الاستثمار، بل في البيئة التي يفترض أن تستقبله.
الأخطر من ذلك أن الانطباع السائد عن بيئة الاستثمار، حتى لو لم يكن مبنياً على وقائع مثبتة بالكامل، يكفي لإبعاد رأس المال. في عالم الاستثمار، لا يُبنى القرار على الحقائق فقط، بل على التوقعات والانطباعات أيضاً. أي شعور بأن الدخول إلى السوق يتطلب ترتيبات غير واضحة، أو علاقات خاصة، أو تفاهمات غير مؤسسية، كفيل بإيقاف أي مشروع قبل أن يبدأ. هذه ليست مسألة اتهام، بل طبيعة عمل رأس المال الذي يفضّل البيئات الواضحة حتى لو كانت أقل ربحية.
في النهاية، لا يمكن للاقتصاد أن يقوم على اللقاءات وحدها، ولا على الصور، ولا على الوعود. الاستثمار عملية معقدة تبدأ من الاستقرار، وتُبنى على الثقة، وتُدار عبر مؤسسات، وتُقاس بنتائج. وما لم تتوفر هذه العناصر، ستبقى الاستثمارات في سوريا في مكانها الطبيعي؛ على الورق، وفي التصريحات، وفي قاعات القصر، لا في المصانع والحقول والأسواق.
القضية، ببساطة، ليست في غياب المستثمرين، بل في غياب الشروط التي تجعلهم يأتون. وحتى تتغير هذه الشروط، سيبقى المشهد كما هو: حركة سياسية نشطة، واقتصاد ينتظر شيئاً لم يبدأ بعد.


