هاشتاغ - متابعة
تشهد اليوم، عدد من المدن السورية ذات الوجود العلوي الكثيف حركة غير مسبوقة، مع بدء أبناء الطائفة بالنزول إلى الساحات استجابة لدعوة الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والمهجر، لتنظيم اعتصامات سلمية احتجاجاً على ما يصفونه بـ"الاستباحة الممنهجة" لأحيائهم في حمص، وحرق منازلهم وسياراتهم على يد عشائر متحالفة مع السلطة، بعد جريمة قتل في بلدة زيدل اعتُمدت ذريعةً لتأجيج خطاب الكراهية.
من جريمة زيدل إلى الشارع.. شرارة الاعتصام
بدأت القصة قبل أيام من الاعتصام، مع اكتشاف جثة رجل وزوجته من قبيلة بني خالد مقتولين في منزلهما في بلدة زيدل بريف حمص، حيث أُحرقت جثة الزوجة ودوِّنت عبارات ذات طابع طائفي في مسرح الجريمة، في ما بدا محاولة مقصودة لجرّ المنطقة إلى فتنة مذهبية.
تقول وزارة الداخلية إن الجريمة "جنائية وليست طائفية"، وتؤكد أن هدف كاتبي الشعارات كان إثارة الفتنة، معلنة توقيف عشرات المشتبه بهم من المشاركين في الهجمات اللاحقة على أحياء علوية في مدينة حمص.
لكن أبناء تلك الأحياء لديهم رواية أخرى؛ فأحياء المهاجرين والأرمن وضاحية الباسل تعرّضت لهجمات مسلحة نفذتها مجموعات من عشائر البدو وبني خالد "مدعومة بعناصر تتبع للسلطة"، وفق ما جاء في بيانات المجلس الإسلامي العلوي وتقارير حقوقية وإعلامية، شملت إطلاق نار مباشر على السكان، وحرق منازل ومحال وسيارات، وبث حالة واسعة من الذعر بين المدنيين.
تقديرات متداولة على صفحات محلية في حمص تحدثت عن أن أكثر من 60% من سكان الأحياء التي شهدت اعتداءات في حمص، تعرّضوا خلال الأيام الأخيرة لخسائر في ممتلكاتهم، تراوحت بين تدمير منازل أو إحراق سيارات أو نهب محال تجارية.
دعوة غزال.. من الاحتجاج على "الاستباحة" إلى الفيدرالية
في هذا المناخ، خرج بيان مصوَّر للشيخ غزال غزال وصف فيه ما يجري بأنه "قتل ممنهج وتطهير عرقي" يستهدف العلويين في حمص، مؤكداً أن سوريا تحولت إلى "ساحة لتصفية الحسابات الطائفية"، ومعلناً بدء تحرك سلمي يبدأ باعتصامات في مختلف مناطق انتشار الطائفة.
غزال الذي يُعد المرجعية الروحية العليا للطائفة، وجّه كلمته أيضاً إلى "كل مكوّن سوري شريف، وأولهم المكوّن السني"، مؤكداً أنه "ليست بيننا حرب وجود فلا تجعلوها كذلك"، ورافضاً أن تتحول سوريا إلى "مستنقع جديد لداعش"، في محاولة واضحة لقطع الطريق على تأويل الاعتصامات كتحرك طائفي مغلق.
في الوقت نفسه، تبنّى الشيخ خطاباً سياسياً أكثر جرأة، حين طرح الفيدرالية واللامركزية السياسية باعتبارهما الحل الوحيد لضمان حقوق المكونات، موجهاً انتقاداً علنياً للحكومة الانتقالية وطريقة تعاطيها مع ملف حماية الأقليات بعد سقوط النظام السابق.
النزول إلى الساحات تحت التهديد
مع حلول الساعة الثانية عشرة ظهر اليوم الثلاثاء، بدأ ناشطون وصفحات محلية بنشر صور ومقاطع قصيرة لتجمعات صغيرة ومتفرقة في عدد من الساحات التي حُدِّدت مسبقاً للاعتصامات: دوار العمارة في جبلة، بعض النقاط في أحياء علوية بحمص، إضافة إلى تحضيرات في اللاذقية وطرطوس، رغم حظر التجول الواسع الذي تفرضه قوى الأمن الداخلي في أجزاء من حمص.
في جبلة تحديداً، تحدثت مصادر إعلامية وأهلية عن "مظاهرة" قرب دوار العمارة، مشيرةً إلى أن عناصر من قوى الأمن الداخلي أطلقوا النار في الهواء لتفريق المحتجين، وهو ما يعكس حساسية أي تجمع خارج الأطر المسموح بها رسمياً حتى لو كان يحمل شعار "اعتصام سلمي".
الهتافات المتداولة في مقاطع الفيديو القصيرة تمحورت حول "وقف القتل"، و"حماية الأحياء"، و"الإفراج عن المعتقلين والمختطفين"، في حين رفع بعض المشاركين صوراً لضحايا هجمات حمص الأخيرة ولافتات تندّد بـ"سكوت الدولة عن استباحة الأحياء العلوية".
أما في حمص، فيصطدم أي تحرك جماهيري بقرار تمديد حظر التجول في أحياء واسعة "لضمان الاستقرار ومنع الفتنة"، حسب ما أعلنت السلطات، ما يدفع الناشطين إلى الحديث عن "اعتصام صامت" من خلال التزام السكان بالبقاء في الأحياء وعدم الانجرار إلى ردود فعل انتقامية، بالتزامن مع حملات إلكترونية كثيفة تحمل وسم "#أوقفوا_الاستباحة".
حملات تخويف واستنفار أمني
في مقابل دعوات النزول إلى الشارع، شنّت صفحات ومجموعات مقرّبة من السلطة حملة تخويف مكثفة خلال الساعات الماضية، ووصفت الاعتصامات بأنها "تحرك خطير" يهدد الأمن العام، بل ذهب بعضها إلى حد التحريض العلني على المتظاهرين واتهامهم بالارتباط بـ"فلول النظام" ومحاولة "التشويش على الدولة في حربها على الإرهاب".
تقارير المرصد السوري لحقوق الإنسان ومصادر أهلية تتحدث عن أرتال أمنية تجوب مدن الساحل منذ ليلة الاثنين – الثلاثاء، تشمل سيارات لقوى الأمن الداخلي ووحدات عسكرية، مع انتشار كثيف عند الدوارات التي حُددت نقاطاً للاعتصام، في جبلة (دوار العمارة) واللاذقية (دواري الزراعة والأزهري) والقرداحة وبانياس وطرطوس.
كما تشير تلك التقارير إلى أن رسائل التهديد لم تصدر فقط عن صفحات مجهولة، بل وصلت على شكل "تحذيرات رسمية" من بعض الفروع الأمنية واللجان المحلية، حذّرت الموظفين والطلاب من المشاركة في أي تجمع "غير مرخّص"، ولو تحت عنوان الاعتصام السلمي.
هذه الأجواء تجعل من قرار النزول إلى الشارع اليوم خطوة عالية الكلفة بالنسبة لكثير من العلويين، الذين يجدون أنفسهم في مواجهة سلطة تتعامل معهم باعتبارعم "فلول النظام السابق" فيما تعقد التحالفات والشراكات الاقتصادية مع قادة النظام السابق.
في حصيلة اليوم الأول، تبدو حركة النزول العلوي إلى الشارع محدودة عدداً لكنها عالية الرمزية؛ فطائفة كانت لسنوات "الصامت الأكبر" في وجه آلة القمع، تحاول اليوم أن تقول إنها لم تعد تقبل أن تُستخدم درعاً بشرياً لأحد، ولا هدفاً مباحاً لأحد، وأن دماء أبنائها ليست ثمناً دائماً لتصفية الحسابات.


