هاشتاغ – مؤيد العلي
يشهد ريف ومدينة دير الزور في تشرين الثاني الحالي ارتفاعاً لافتاً في عمليات الاغتيال التي تستهدف أشخاصاً محسوبين على نظام الأسد، في ما بات يعرف بـ"القصاص من الشبيحة". ولم يعد المصطلح مقتصراً على عناصر الميليشيات التي قاتلت إلى جانب النظام، بل توسّع ليطال موظفين حكوميين، أساتذة جامعات، وسائقين ومسؤولين سابقين.
يتزامن ذلك مع حملات تحريض مفتوحة على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت عبارات ساخرة – مثل "تزحلق بقشر موز" و"الله يخلي المجهولين" – كناية عن القتل، وسط غياب شبه تام لأي سلطة قانونية أو قضائية قادرة على ضبط الفوضى.
استهدافات متزايدة.. من عناصر "الدفاع الوطني" إلى سائق محافظ سابق
مصادر محلية قالت لـ"هاشتاغ" إن جثة أحمد الياسين، أحد عناصر "الدفاع الوطني"، عُثر عليها، حيث وجد مقتولا قبل يومين في حي الحويقة.
وفي حادثة أخرى، أطلق مجهولون النار على محمد محمود الخلف، وهو حلاق في حي الحميدية، واتُهم بالعمل مع الأمن السياسي، ما أدى إلى مقتله على الفور.
كما نجا سالم المتراس، قائد كتائب البعث، من محاولة الاغتيال الثانية بعد رمي قنبلة على منزله في حي الجبيلة قرب حديقة النصارى. ولم تسجّل إصابات، لكن الحادثة أثارت ذعراً واسعاً.
وفي حي الجورة، قُتل سوادي العلي – سائق محافظ دير الزور السابق – بعد إصابته بثلاث رصاصات في أنحاء متفرقة من جسده، قبل أن يفارق الحياة في دمشق. وكان الرجل قد نجا سابقاً من محاولة اغتيال، وسط اتهامات بارتباطات أمنية تعود إلى حقبة الأسد.
وفي الخامس من الشهر نفسه، استهدف مجهولون محمد سعيد الكردوش في حي القصور بذريعة انتمائه لميليشيا الدفاع الوطني، وهو يعمل سائق تكسي. أصيب برصاصتين وتم إسعافه.
كما نجا سليمان العلاوي في حي الحويقة الشرقية بعد إطلاق النار عليه من قبل مجهولين، وهو من "المفرغين" في كتائب البعث.
غياب الدولة… وحضور الانتقام
يؤكد مراقبون أن تصاعد هذه العمليات مرتبط بـ غياب سلطة الدولة وضعف القضاء، ما جعل منطق الثأر هو السائد، لا سيما مع انهيار منظومة الادعاء الرسمي وغياب آليات المحاسبة القانونية.
أحد المحامين (فضّل عدم الكشف عن اسمه) قال لـ"هاشتاغ" إن المؤسسة القضائية لم تتلقَ أي شكاوى تثبت تورّط الأشخاص الذين يُستهدفون الآن في جرائم دم. وأضاف: "كثير من القادة الفعليين للميليشيات اعتُقلوا أو هربوا خارج البلاد أو إلى مناطق قسد، بينما تطال الاغتيالات أشخاصاً غير مؤثرين، معظمهم انضموا لكتائب البعث هرباً من الخدمة الإلزامية، أو كانوا في الدفاع الوطني لأغراض تتعلق بالسرقة والتعفيش."
وأشار إلى أن التحريض أصبح يشمل حتى مديري دوائر حكومية سابقين وأساتذة جامعات، ما يجعل الظاهرة أخطر مما تبدو عليه.
منصات التواصل.. ساحة مفتوحة للتحريض والابتزاز
مسؤول في السلطة الانتقالية كشف لـ"هاشتاغ" أن الكثير من صفحات التحريض على "فيسبوك" يديرها أشخاص يقيمون خارج سوريا بهدف الابتزاز المالي. وضرب مثالاً: "هناك حساب باسم حسان الشيخ الحميدي ينشر تهديدات يومية. يبدأ بالتواصل مع الشخص المطلوب مقابل المال، وإن لم يدفع، ينشر الحديث علناً، مقدّماً نفسه كقاضٍ وجلاد في الوقت نفسه."
وفق المسؤول، فإن معظم عمليات التحريض تتم من تركيا وأوروبا، وبعضها من الداخل السوري، مستفيدة من غياب الرقابة وضعف المؤسسات الإعلامية الرسمية.
إعلام هش و"ناشطون" بلا مؤهلات
صحفي (فضّل عدم ذكر اسمه) وصف المشهد بأنه فوضى إعلامية شاملة، مؤكدا "أي شخص يمكنه إنشاء حساب باسم الثورة ويبدأ بنشر تحريض طائفي وعنصري، دون أي رقابة مهنية أو قانونية. معظم هؤلاء لا يحملون حتى شهادة التعليم الأساسي."
ويضيف أن إقصاء الإعلاميين المحترفين لصالح "الناشطين" فتح الباب واسعاً أمام الشائعات والتحريض، فيما لا يزال الوضع الأمني في دير الزور هشاً، مع بقاء الذهنية الفصائلية وعدم اكتمال الانتقال نحو بنية الدولة.
وحذّر الصحفي من تداعيات عشائرية خطيرة في مجتمع قبلي كدير الزور، خصوصاً مع تسجيل عدة حالات اغتيال لعناصر أمن في الميادين والبوكمال وريفهما خلال الأسابيع الماضية.
مخاطر اجتماعية وأمنية
تشهد دير الزور اليوم واحدة من أخطر موجات التصفيات الانتقامية منذ سقوط نظام الأسد، في ظل فراغ قانوني و تحريض رقمي غير مسبوق، تتحول فيه الاتهامات إلى أحكام إعدام ميدانية دون شواهد ولا محاكم.
وفي بلد يمر بمرحلة انتقالية شديدة الحساسية، تبدو هذه الاغتيالات نذيراً بتوترات اجتماعية وأمنية قد تتسع، ما لم تُفرض سلطة قضائية واضحة تُعيد تعريف معنى العدالة في مرحلة ما بعد النظام.


