هاشتاغ
بحث

معركة ضد ذاكرة السوريين.. ووحدتهم

11/12/2025

الشيخ-صالح-العلي

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - سامي شحرور

 

لم يكن تصريح نور الدين البابا، المتحدث باسم "الداخلية"، عن أنّ ثورة الشيخ صالح العلي لم تكن ضد الاستعمار الفرنسي بل ضد الطائفة الإسماعيلية مجرد زلّة لسان أو قراءة خاطئة للتاريخ، بل كان أوضح إعلان حتى الآن عن مشروع السلطة الجديدة في سوريا: إعادة كتابة الذاكرة الوطنية من جذورها.


فالعبارة التي أثارت صدمة واسعة ليست خطأ عابرا، بل حجر الأساس لسردية تريد السلطة فرضها على البلاد: سردية طائفية، متشددة، ومُفصّلة على مقاس مشروع أيديولوجي يهدف إلى تفكيك الوعي الوطني واستبداله بوعي آخر مستورد.


ذلك أنّ الشيخ صالح العلي، الذي اعترف الفرنسيون أنفسهم بأنه "أخطر قائد تمرّد" في الساحل السوري، لم يكن زعيم طائفة ولا رأس نزاع مذهبي. كان رمزا وطنيا خالصا حمل بندقيته دفاعا عن سوريا، لا عن فئة منها. وبالتالي فإن تحويل تلك الثورة الكبرى إلى "ثأر داخلي" لا يطعن بتاريخ الرجل وحده، بل يطعن بفكرة الوطن نفسها. وهو ما يجعل تصريح البابا ليس مجرد تشويه لماضٍ معروف، بل مؤشرا على المستقبل الذي تريده السلطة للذاكرة السورية.

 

من هذه اللحظة بالتحديد يمكن قراءة كل ما تقوم به السلطة خلال عامها الأول: إنها لا تدير دولة، ولا تعالج أزمة، ولا تبني مؤسسات. إنها تخوض معركة على الذاكرة. فخلال بضعة أشهر فقط، انطلقت حملة منهجية لإعادة كتابة التاريخ السوري بعقلية لا تشبه الشعب ولا تشبه البلاد التي صاغت هويتها عبر قرن من المقاومة والصراع والانتصارات والانكسارات. وهذا ما يفسر أن السلطة الجديدة تتعامل مع التاريخ كما لو كان دفترا كبيرا شُطب نصفه، ويجب أن تُعاد كتابته وفق ذوق اللحظة الأيديولوجية الجديدة.

 

لم يكن تشويه تاريخ الشيخ صالح العلي سوى الحلقة الأخيرة في سلسلة بدأت بمحاولة تبييض الاحتلال العثماني. ففي خطاب سياسي وإعلامي متكرر، ظهر السلطان العثماني فجأة "صاحب فضل"، وبدت أربعة قرون من القمع والتجنيد القسري والسخرة والمجازر وكأنها "عصر مزدهر" . هذا ليس اجتهادا فكريا، بل خطوة مدروسة لتحويل الاحتلال إلى مكوّن من الهوية الدينية التي تريد السلطة فرضها، وكأنّ سوريا لم تعرف نفسها يوما إلا بمقدار ما قاومت العثماني وتحررت من ظله الثقيل.

 

ثم جاء إلغاء عيد الشهداء، العمود الأول في الذاكرة الوطنية منذ 1916. الشهداء الذين أعدمهم جمال باشا السفاح لم يعودوا يناسبون "المرحلة الجديدة" ، لأن وجودهم يذكّر السوريين بأن الاحتلال العثماني كان احتلالا، لا "نهضة" . فإلغاء المناسبة لا يعني فقط حذف صفحة من التاريخ، بل حذف لحظة التأسيس الأولى لسوريا الحديثة التي وُلدت من رحم مقاومة الظلم. وهذا مسّ مباشر بجذر الهوية الوطنية، لا بتفصيل بروتوكولي.

 

ولم تكن حرب تشرين ضد إسرائيل بمنأى عن هذه الحملة. أُلغيت الاحتفالات بها كما لو أنّها صفحة محرجة. قيل إنها مجرد معركة مرتبطة بالأسد الأب، وإنّ الجولان "بيع ولم يحرَّر" . لكن هذا التبسيط المتعمّد يتجاهل أن حرب تشرين كانت لحظة إجماع وطني نادرة، وأن الجيش السوري خاض فيها معركة حقيقية لا يمحوها خلاف سياسي ولا نظام سابق. والمفارقة القاتلة أنّ السلطة التي تلغي ذكرى تشرين بحجة "تحرير لم يكتمل" ، هي نفسها التي فقدت في عام واحد مساحات من الأرض تفوق ما خسره السوريون منذ 1967، ومساحات قابلة للتمدد في كل اتجاه. فكيف يزايد من يُضيّع الحاضر على من قاتل في الماضي؟

 

كل ذلك يكتمل بعملية إعادة صياغة المناهج التعليمية على عجل، لتقديم رواية واحدة مغلقة للأجيال الجديدة، رواية تُقصي رموز الوطنية السورية جميعها: لا مقاومة عثمانية، لا ثورة وطنية، لا حرب تشرين، لا صالح العلي. تاريخٌ مصنوع في غرف الأدلجة، يُستبدل به التاريخ الحقيقي بكل ما فيه من شرف وانقسام ومعاناة وانتصار.

 

عام واحد فقط كان كافيا ليظهر المشروع بوضوح: إنه ليس مشروع دولة، بل مشروع سردية. سردية تريد إعادة تشكيل المجتمع السوري وفق هوية طائفية وأيديولوجية تطيح بكل ما جعل السوريين شعبا واحدا ولو في الحد الأدنى.

 

إن أخطر ما يمكن أن تتعرض له أمة ليس غزو الأرض، بل غزو الذاكرة. فالأرض قد تُستعاد، أما الوعي إذا كُسِر، فيصعب ترميمه. والواضح اليوم أن السلطة لا تحارب المعارضة، ولا الخصوم، بل تحارب الذاكرة نفسها.. ذاكرة السوريين الذين يجدون أنفسهم أمام محاولة منظمة لاقتلاع جذورهم، ليصبح المستقبل بلا ماضٍ، والوطن بلا ذاكرة.

التعليقات

الصنف

سياسة

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026