هاشتاغ - ترجمة
أشارت صحيفة "نيويورك تايمز" إلى أن إعادة بناء جيش سوري بعد حلّ جميع القوات المسلحة عقب الإطاحة بالنظام السابق، يعد أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة الوليدة، وهو جهدٌ بالغ الأهمية لتوحيد هذا البلد الذي لا يزال يعاني من الانقسامات.
ولفتت الصحيفة الأمريكية إلى أنه ولتحقيق ذلك، يتبع القادة السوريون الجدد نهجاً مشابهاً للنهج الذي اتبعوه في تأسيس حكومتهم، حيث اعتمد رئيس المرحلة الانتقالية في البلاد أحمد الشرع على دائرة ضيقة من الموالين.
ويُفضّل الهيكل القيادي الجديد للجيش المقاتلين السابقين من المجموعة التي كان يتزعمها الشرع، حتى على أولئك الذين قد يمتلكون خبرة أكبر، وفقاً للعديد من الجنود والقادة والمحللين. ولم يتم بعد إدراج الأقليات الدينية في الجيش، على الرغم من أن سوريا بلد متنوع دينياً وعرقياً، بحسب ما أوردته الصحيفة.
وتُطبّق وزارة الدفاع السورية بعض أساليب التدريب نفسها، بما في ذلك التعليم الديني، التي استخدمتها الجماعة السابقة من المتمردين التي كانت بقيادة الشرع لتصبح الأقوى بين جميع الفصائل التي حاربت نظام الأسد خلال الحرب الأهلية السورية.
التدريب بعيد عن متطلبات القوات المسلحة الحديثة
لا علاقة لها بالجاهزية العسكرية
أجرت "نيويورك تايمز" مقابلات مع نحو عشرين جندياً وقائداً ومجنداً جديداً في سوريا، ناقشوا التدريب العسكري وأبدوا مخاوفهم. وتحدث معظمهم شريطة عدم الكشف عن هويتهم، لأن وزارة الدفاع تمنع الجنود من التحدث إلى وسائل الإعلام.
وقال عدد من الجنود والقادة، بالإضافة إلى محللين، إن بعض قواعد الحكومة لا علاقة لها بالجاهزية العسكرية.
وبحسب التقرير الذي نشرته الصحيفة، أمس الخميس، القيادة الجديدة متشددة في بعض النقاط، مثل حظر التدخين على الجنود أثناء الخدمة. لكن في جوانب أخرى، قال الجنود إن التدريب بدا بعيداً عن متطلبات القوات المسلحة الحديثة.
التدريب الديني يعكس الفكر السني المحافظ الذي تبنته "هيئة تحرير الشام"
لا يعكس تنوع المجتمع السوري
نقلت الصحيفة عن أحد الجنود ممن التحقوا بدورة تدريبية للانضمام إلى الجيش الجديد، أنه فوجئ بجوانب أخرى من التدريب. فقد خُصص الأسبوع الأول بالكامل للتعليم الإسلامي، بما في ذلك محاضرة استمرت ساعتين ونصف عن مولد النبي محمد.
ونقلت "واشنطن تايمز" عن جنود وقادة، إن التدريب الديني يعكس الفكر السني المحافظ الذي تبنته "هيئة تحرير الشام"، التي كان يتزعمها الشرع، عندما كانت تسيطر على إدلب.
وتلفت الصحيفة الأمريكية أن ذلك يثير تساؤلات حول مدى الترحيب بالأقليات الدينية والعرقية في جيش كهذا، ومدى تمثيله لتنوع المجتمع السوري.
وقال مسؤول عسكري سوري، طلب عدم الكشف عن هويته لعدم تخويله بالتصريح علناً، إن الحكومة لم تُقرر بعدُ مسألة السماح للأقليات بالتجنيد.
وكشف: يُهدد استبعادهم بتفاقم التوترات الطائفية في سوريا، والتي اندلعت بالفعل في موجات عنف دامية خلال العام.
يعيّنون قائداً لم يُكمل حتى الصف التاسع من التعليم ويُسندون إليه قيادة كتيبة ومؤهله الوحيد هو ولاؤه لأحمد الشرع
الولاء بدلاً من الكفاءة
كما أفاد عدد من الجنود والقادة والمجندين أن قادة سوريا، بدلاً من الاعتماد على ذوي الخبرة، بمن فيهم آلاف الضباط الذين انشقوا في ظل نظام الأسد، يعتمدون على دائرة صغيرة من الرفاق الموثوق بهم من "هيئة تحرير الشام" لقيادة الجيش الجديد وتشكيله.
وبحسب الصحيفة الأمريكية، لم ترد وزارة الدفاع السورية على قائمة مفصلة من الأسئلة وطلبات متكررة للتعليق.
بعد إلغاء التجنيد الإجباري، لجأ الجيش الجديد إلى تجنيد المتطوعين ووضع شروطاً مثل إتمام الصف التاسع، واللياقة البدنية، والقدرة على القراءة.
لكن الجنود الذين قاتلوا مع الثوار في الحرب الأهلية تم ضمهم إلى صفوف الجيش، حتى وإن لم يستوفوا جميع المعايير، وفقاً لعدد من الجنود والقادة.
يقول عصام الريس، كبير المستشارين العسكريين في مركز "إتانا" للأبحاث السورية، والذي تحدث إلى العديد من الثوار السابقين الذين يخدمون حالياً في الجيش: "إنهم يُعيّنون قائداً من (هيئة تحرير الشام) لم يُكمل حتى الصف التاسع من التعليم، ويُسندون إليه قيادة كتيبة. ومؤهله الوحيد هو ولاؤه لأحمد الشرع"، وفق تعبيره.
وأضاف الريس أن هؤلاء المعينين يفتقرون إلى التعليم العسكري الرسمي والانضباط.
وأوضح: "يمتلك مقاتلو (هيئة تحرير الشام) السابقون، كغيرهم من مقاتلي العديد من فصائل المعارضة الأخرى، سنوات من الخبرة في حرب العصابات التي خاضوها للإطاحة بالأسد. لكن معظمهم لم يخدموا كضباط في جيش نظامي ذي فروع مختلفة كالبحرية والقوات الجوية والمشاة، وبهياكل قيادية صارمة، وهي خبرة تُعتبر ضرورية عند إعادة بناء الجيش".
وأضاف: "قوة الجيش تكمن في انضباطه. حفظ القرآن لن يفيدك، بل تحتاج إلى القدرة على القتال".
يبدأ معظم الجنود والقادة بثلاثة أسابيع من التدريب الأساسي، باستثناء من سبق لهم القتال إلى جانب جماعة الشرع خلال التمرد. وقال الريس إن هذا التدريب لا يُكسبهم أي مهارات عسكرية تقريباً.
وأضاف: "بدلاً من ذلك، يحاولون تلقينهم طريقة تفكيرهم".
لن يُخاطروا بأشخاص لا يعرفونهم".
قتيبة إدلبي، مدير الشؤون الأمريكية في وزارة الخارجية السورية، قال إن الحكومة وقّعت اتفاقية مبدئية مع تركيا لتدريب وتطوير الجيش. لكنه أوضح أن الاتفاقية لا تشمل تسليم أسلحة أو معدات عسكرية، بسبب العقوبات الأمريكية المفروضة على سوريا.
وتشير الصحيفة إلى أن افتقار الجيش للسيطرة على قواته وضعف انضباط الجنود قد ساهم بالفعل في اندلاع أعمال عنف طائفية، مما أدى إلى تقويض علاقات الحكومة مع الأقليات.
لن يخاطروا بأشخاص لا يعرفونهم
الإيمان المشترك
العقيد علي عبد الباقي، قائد أركان الكتيبة السبعين في دمشق، من بين القادة القلائل رفيعي المستوى الذين لم ينتسبوا لـ "هيئة تحرير الشام". وفي حديث من مكتبه في دمشق، قال إنه لو كان مكان الشرع، لكان قد بنى الجيش الجديد بالطريقة نفسها.
وأضاف عبد الباقي، الذي قاد فصيلاً معارضاً آخر خلال الحرب الأهلية: "لن يُخاطروا بأشخاص لا يعرفونهم".
وقال ضابطٌ انشق عن سلاح الجو التابع للجيش السوري السابق المنحل وانضم الآن إلى الجيش الجديد إن المعيار الأساسي للترقية هو الولاء. ونتيجة لذلك، غالباً ما يكون المقربون من الشرع وفصيله المعارض السابق أعلى رتبة من الضباط العسكريين السابقين ذوي الخبرة، بحسب الضابط.
وكشف أن العديد ممن قادوا كتيبة القوات الجوية السورية الجديدة لم يكونوا على دراية بتسلسل الرتب العسكرية. وأضاف أنه تم تعيين قائد أكثر كفاءة بعد شكواه هو وضباط آخرين، لكن ذلك لم يحدث إلا بسبب الطبيعة المتخصصة للقوات الجوية.
وقال بعض كبار القادة إن التعليم الديني كان محاولة لبناء التماسك من خلال الإيمان المشترك، وليس وسيلة لفرض أيديولوجية محددة على المجندين الجدد.
وحذر قائدان آخران من أن السماح للأقليات، وخاصة العلويين والشيعة، بالانضمام إلى الجيش بعد حرب أهلية وحشية ذات طابع طائفي سيكون بمثابة إشعال فتيل أزمة، على حد زعمهم.
في المقابل، رأى آخرون أن إنشاء جيش يعكس تنوع سوريا من شأنه أن يبني الثقة بين الأقليات ويساعد على منع العنف الطائفي، وفقاً لما نقلته "نيويورك تايمز".
ونوّهت الصحيفة إلى أن وضع الموالين للشرع في مناصب قيادية يُصعّب أيضاً دمج قوات سوريا الديمقراطية التي يقودها الأكراد، والتي تسيطر على جزء كبير من شمال شرق سوريا وتتمتع بهيكل تنظيمي داخلي قوي.
كما حذّر بعض الجنود من أن تدريبهم يفتقر إلى أي تركيز على قوانين الحرب، ويقتصر على توجيه المجندين الجدد بتجنب الخلط بين الأقليات وجرائم أفراد قليلين، بحسب تعبيرهم.
عمر الخطيب، وهو مقاتل سابق وقائد عسكري حالي في محافظة حلب، قال: "يجب أن يكون في جيشنا قسمٌ يُعنى بالتوعية السياسية ومنع الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وأضاف الخطيب، وهو خريج حقوق: "هذا أهم من تدريبنا على العقيدة الدينية التي نعرفها بالفعل".


