هاشتاغ
بحث

هجوم تدمر يعيد طرح أسئلة الوجود الأمريكي وبناء الدولة السورية

17/12/2025

هجوم-تدمر-في-حمص....

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص


شكّل الهجوم الذي نفّذه عنصر من تنظيم "داعش" الإرهابي على اجتماع أمني مشترك بين قوات أمريكية وسورية في 13 ديسمبر/كانون الأول 2025 صدمة في واشنطن ودمشق على حد سواء.


ولا تكمن خطورة الحادث في كونه أول هجوم قاتل يستهدف القوات الأمريكية منذ سقوط نظام بشار الأسد فحسب؛ بل في حقيقة أن المنفّذ كان عنصراً منتسباً رسمياً إلى قوات الأمن الداخلي السورية، ويعمل ضمن بيئة يُفترض أنها "صديقة" للقوات الأمريكية.


وقع الهجوم في اجتماع تنسيقي مخصّص لمكافحة تنظيم "داعش"، أي في سياق يُفترض فيه أعلى درجات الثقة الأمنية. وهذا يجعل الحادث نقطة تحوّل مفصلية في تقييم المخاطر الأمريكية داخل سوريا.

يكشف الحادث أن الخطر لم يعد محصوراً في هجمات خارجية أو كمائن معادية؛ بل أصبح "خطراً داخلياً" نابعاً من قوى شريكة أو متعاونة

الهجوم والوجود العسكري الأمريكي في سوريا


يعزّز هذا الهجوم تعزيزاً مباشراً التيار الأمريكي الداعي إلى تقليص أو إنهاء الوجود العسكري في سوريا. فوجود نحو ألف جندي أمريكي بات يُنظر إليه، ليس فقط بوصفه امتداداً لمهمة انتهت عملياً بعد إعلان هزيمة "خلافة داعش" عام 2019، بل بوصفه وجوداً عالي المخاطر في بيئة غير مستقرة مؤسسياً وأمنياً.


من منظور أمني، يكشف الحادث أن الخطر لم يعد محصوراً في هجمات خارجية أو كمائن معادية؛ بل أصبح "خطراً داخلياً" نابعاً من قوى شريكة أو متعاونة. ويُعد هذا النوع من التهديدات الأكثر كلفة وخطورة في العقيدة العسكرية الأمريكية؛ لأنه يتجاوز إجراءات الحماية التقليدية.


سياسياً، يعزّز الهجوم الحجج التي طرحتها مراكز أبحاث أمريكية، مثل معهد "كاتو"، والتي ترى أن الوجود العسكري الأمريكي في سوريا ما عاد يحقق مكاسب استراتيجية واضحة، مقابل تعريض حياة الجنود الأمريكيين لمخاطر غير مبررة. ومن المرجّح أن يُستخدم هذا الحادث لدفع نقاشات داخل الإدارة الأمريكية والكونغرس في تقليص القوات أو إعادة نشرها، أو حصر الدور الأمريكي في مهام استخباراتية محدودة، إضافة إلى إعادة تقييم جدوى الدوريات والعمليات المشتركة مع القوات السورية.


ففي واشنطن، لا يُقرأ الحادث بوصفه واقعة أمنية معزولة؛ بل بوصفه مؤشراً على هشاشة عملية بناء مؤسسات الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية.

العلاقة بين واشنطن والقيادة السورية الجديدة


جاء الهجوم في لحظة شديدة الحساسية للعلاقة بين واشنطن ودمشق، بعد انضمام سوريا رسمياً إلى التحالف الدولي ضد "داعش"، وزيارة رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع البيت الأبيض، وما رافق ذلك من انفتاح أمريكي واسع.


كون منفّذ الهجوم عنصراً في قوات الأمن السورية يضع القيادة الجديدة أمام اختبار مصداقية حقيقي. ففي واشنطن، لا يُقرأ الحادث بوصفه واقعة أمنية معزولة؛ بل بوصفه مؤشراً على هشاشة عملية بناء مؤسسات الدولة، ولا سيما الأجهزة الأمنية.


من جانبها، سارعت دمشق إلى إدانة الهجوم وتأكيد التزام التعاون في مكافحة الإرهاب. غير أن الاعتراف بأن المنفّذ كان مصنّفاً داخلياً صاحب أفكار متطرفة، وكان من المقرر فصله لاحقاً، أضعف الموقف السوري بدلاً من أن يعزّزه؛ إذ كشف ذلك أن الخلل كان معروفاً مسبقاً، ولم يُتخذ إجراء فوري لمعالجته، وهذا أبقى عنصراً مشكوكاً بولائه مسلّحاً وقريباً من قوات أمريكية.


هذا الواقع يقوّض الثقة الأمريكية بالقدرة الفعلية للقيادة الجديدة على ضبط أجهزتها الأمنية، حتى وإن لم تكن نياتها السياسية معادية.

الموقف الرسمي للولايات المتحدة


في أعقاب الحادث، سعى الرئيس دونالد ترامب إلى الفصل بين الهجوم والدولة السورية الجديدة، مؤكداً أن "داعش هو المسؤول"، وأن "الحكومة السورية والرئيس الجديد قاتلوا إلى جانبنا". ويظهر هذا الموقف رغبة البيت الأبيض في الحفاظ على قنوات التواصل مع دمشق، وعدم تقويض مسار التعاون الوليد في مكافحة "داعش"، وربما أيضاً تجنّب ترك فراغ قد تملؤه قوى إقليمية منافسة لواشنطن.


غير أن هذه التصريحات حملت إشكالية واضحة؛ إذ إنها منحت قدراً من الثقة السياسية قبل اكتمال التحقيقات واستيعاب طبيعة الهجوم. فقد تبيّن لاحقاً أن الخطر أتى من داخل القوات السورية نفسها، لا من اختراق خارجي. وبذلك، يجمع الموقف الأمريكي بين طمأنة سياسية في العلن، وتحفّظ أمني متزايد في الكواليس.

موقف الرأي العام الأمريكي والصحافة


أظهرت التغطيات الصحافية الأمريكية، لا سيما في الصحافة التحليلية ومراكز الأبحاث، ميلاً واضحاً نحو التشكيك في جدوى استمرار الوجود الأمريكي في سوريا. وربطت مقالات عدة بين هجوم تدمر وإخفاقات سابقة في بيئات مشابهة، أبرزها ليبيا وبنغازي.


أما الرأي العام الأمريكي المنهك من "الحروب التي لا تنتهي"، فأصبح أكثر حساسية تجاه سقوط قتلى أمريكيين في مهمات خارجية ذات أهداف غير واضحة. وقد عزّزت حقيقة أن الجنود قُتلوا بيد "شريك أمني" الشعور بأن المخاطر تفوق المكاسب.



الهجوم ومسار بناء قوى الأمن والجيش السوري


يسلّط هجوم تدمر الضوء على أزمة بنيوية في عملية إعادة بناء الأجهزة الأمنية السورية. فقد تم دمج فصائل مسلحة سابقة في مؤسسات الدولة بسرعة سياسية، لا بتدرّج مؤسسي. والنتيجة أجهزة تحمل مظهر الدولة، لكنها تفتقر إلى التدقيق الأمني الصارم، والعقيدة الوطنية الجامعة، والانضباط المهني بعيداً عن الأيديولوجيات المتطرفة.


وتعزّز الهتافات ذات الطابع الأيديولوجي التي أصدرها جنود نظاميون في العرض العسكري يوم عيد التحرير، كما نقلت الصحافة، المخاوف الأمريكية والغربية من أن التحول ما زال شكلياً أكثر منه جوهرياً. وقد يدفع ذلك واشنطن وغيرها من العواصم الغربية إلى تشديد شروط التعاون الأمني، وتقليص الاحتكاك المباشر، وربط أي دعم مستقبلي بإصلاحات أمنية ملموسة وقابلة للتحقق.


لم يكن هجوم تدمر مجرد عملية إرهابية نفّذها عنصر من "داعش"؛ بل شكّل اختباراً قاسياً لثلاثة مسارات متوازية: الوجود العسكري الأمريكي في سوريا، وبناء الدولة السورية الجديدة، ومستوى الثقة المتبادلة بين الطرفين.


وكشف الهجوم أن الخطر لم يعد خارجياً فقط؛ بل داخلياً ومؤسسياً. وأثبت أن إعادة بناء الأمن لا تُقاس بالزي الرسمي أو بالتصريحات السياسية؛ بل بقدرة الدولة على ضبط السلاح، وتدقيق الولاءات، ومنع التهديد من الداخل.


فيما يخص الولايات المتحدة، يعيد الحادث طرح السؤال الجوهري: هل يستحق وجود عسكري محدود في سوريا هذه الكلفة البشرية والسياسية؟ وفيما يتعلق بسوريا الجديدة، يطرح السؤال الأخطر: هل تستطيع الانتقال من سلطة ثورية إلى دولة مؤسسات تستطيع كسب الثقة الداخلية والخارجية؟

التعليقات

الصنف

سياسة

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026