هاشتاغ
بحث

الضربات الأمريكية ضد "داعش" في سوريا.. لماذا الآن؟

20/12/2025

العملية-الامريكية-ضد-تنظيم-داعش

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص



لم تكن الضربات الأمريكية الواسعة التي استهدفت مواقع تنظيم "داعش" في وسط وشرق سوريا حدثاً عسكرياً مفاجئاً بقدر ما كانت لحظة انفجار لتراكمات سياسية وأمنية مؤجلة. فالسؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم هو: "لماذا احتاجت واشنطن إلى مقتل جنود أمريكيين ومترجم مدني كي تنتقل من سياسة الاحتواء والمراقبة إلى سياسة الضربات المكثفة والانتقامية؟".

"داعش" من الحرب إلى "الإهمال المحسوب"


على مدار السنوات الماضية، تعاملت الولايات المتحدة مع بقايا تنظيم "داعش" في سوريا بوصفه تهديدًا "تحت السيطرة". فبعد إعلان هزيمته الميدانية الكبرى عام 2019، تحوّل التنظيم إلى خلايا نائمة تنتشر في البادية السورية ومناطق وعرة في دير الزور والرقة وتدمر. هذا الواقع المعروف في واشنطن بدقة، دفع البنتاغون إلى اعتماد استراتيجية منخفضة الكلفة: ضربات محدودة، عمليات استخباراتية، وتفويض متزايد للشركاء المحليين، سواء "قسد" شرقاً أو قوات الأمن السورية في مرحلة ما بعد الأسد.


بعبارة أخرى، لم يكن غياب الضربات الواسعة ناتجاً عن نقص في المعلومات عن مواقع تجمعات التنظيم ومخابئه أو ضعف في القدرة العسكرية على الاستهداف؛ بل عن قرار سياسي بعدم الانخراط المكثف، طالما أن التنظيم لا يهاجم القوات الأمريكية، خاصة مع توجه إدارة ترامب إلى تقليص الوجود الأمريكي في الشرق الأوسط والتركيز على نصف الكرة الغربي، كما ظهر في نقل حاملة طائرات من المتوسط إلى سواحل أمريكا الجنوبية.

هذا التعبير يظهر عقلية الردع أكثر من كونه جزءاً من استراتيجية بعيدة الأمد لمكافحة الإرهاب. فالضربات جاءت لإعادة ترميم صورة الهيبة الأمريكية، داخلياً أمام الرأي العام، وخارجياً أمام الحلفاء والخصوم.

الدم الأمريكي خط أحمر


مقتل جنديين أمريكيين ومترجم مدني في هجوم على اجتماع سوري- أمريكي مشترك قرب تدمر شكّل نقطة تحوّل. فالسياسة الأمريكية، تاريخياً، تتسامح مع تهديدات غير مباشرة لكنها نادراً ما تتجاوز مقتل جنودها من دون ردّ علني وقاسٍ. هنا لم يعد "داعش" مجرد "خطر محتمل"؛ بل عدو مباشر تجرأ على كسر الخط الأحمر الأمريكي.


تصريحات وزير الدفاع بيت هيغسيث كانت واضحة: "ليست بداية حرب؛ بل إعلان انتقام". هذا التعبير يظهر عقلية الردع أكثر من كونه جزءاً من استراتيجية بعيدة الأمد لمكافحة الإرهاب. فالضربات جاءت لإعادة ترميم صورة الهيبة الأمريكية، داخلياً أمام الرأي العام، وخارجياً أمام الحلفاء والخصوم.

الرسائل المتعددة للضربات


العملية التي شاركت فيها مقاتلات أمريكية وأردنية، واستهدفت، بحسب البيان الأمريكي، أكثر من 70 موقعاً باستخدام أكثر من 100 قنبلة دقيقة، حملت رسائل تتجاوز "داعش" نفسه، فهي رسالة للتنظيم بأن مرحلة "التغاضي المسحوب" انتهت، وأن أي استهداف للأمريكيين سيقابل بقوة ساحقة ومستمرة. كما حملت رسالة لسوريا الجديدة، بأن واشنطن ما زالت اللاعب العسكري الأهم في المنطقة ضد "داعش" ورسالة للداخل الأمريكي بأن إدارة ترامب، على الرغم من خطاب الانكفاء، لن تتردد في استخدام القوة لحماية جنودها.

هجوم تدمر ليس فقط هشاشة القدرات الأمنية للقيادة السورية الجديدة؛ بل واختراق التنظيم الإرهابي لها أيضاً.

سوريا الجديدة والاختبار الصعب


الضربات شكّلت أيضاً اختباراً للعلاقة المتنامية بين واشنطن ودمشق بعد سقوط نظام بشار الأسد. اللافت أن دمشق أعلنت عقب الضربات مباشرة موقفها الثابت بمحاربة "داعش"، وأضافت إليه دعوتها التحالف الدولي للمساعدة في التصدي للهجمات المتنامية للتنظيم الإرهابي، الأمر الذي يفهم منه ليس مجرد موافقة رسمية على الضربات الأمريكية؛ بل تبنيها لها بقوة.


الرد السوري الذي جاء عبر بيان للخارجية بالتزامن مع الضربات الجوية، برر الحاجة إلى التعاون الدولي في مواجهة "داعش"، بتزايد هجمات التنظيم ضد القوات الحكومية وعناصر الأمن السورية.


الضربات الأمريكية كشفت أن رهان واشنطن على قدرة السلطات السورية الجديدة على ضبط الأمن في البادية، ومواجهة التنظيم، فشل أمام أول اختبار حقيقي؛ إذ أظهر هجوم تدمر ليس فقط هشاشة القدرات الأمنية للقيادة السورية الجديدة؛ بل واختراق التنظيم الإرهابي لها أيضاً.

لماذا الضربات الأمريكية الآن تحديداً؟


يمكن تلخيص أسباب توقيت الضربات في عوامل متداخلة، الحدث الصادم الذي تمثّل بمقتل أمريكيين داخل سياق تعاون أمني مباشر مع حكومة دمشق، والحاجة إلى إظهار قوة الردع الأمريكية ضد التنظيم ومنع إمكانية شن هجمات إضافية ضد الجنود الأمريكيين.


الضربات الأمريكية ضد "داعش" في سوريا لم تأت لأن واشنطن اكتشفت فجأة خطر التنظيم؛ بل لأنها اضطرت إلى التحرك بعد أن دفع جنودها الثمن. ما قبل الهجوم كان مرحلة إدارة خطر أو تغاضي محسوب، وما بعده مرحلة ردع وانتقام. لكن السؤال الأهم يبقى مفتوحاً، هل ستكتفي واشنطن بضربات "عين الصقر"، أم أن مقتل الأمريكيين كشف فشل سياسة الاحتواء، وفتح الباب أمام عودة أوسع للانخراط العسكري الأمريكي في سوريا؟


الأيام والأسابيع المقبلة، كما رجّح مسؤولون أمريكيون، ستكشف إن كانت هذه العملية مجرد رد فعل مؤقت، أم بداية لمرحلة جديدة من عودة الانخراط الأمريكي المباشر في الحرب ضد "داعش" بعد ست سنوات من إعلان هزيمته بيد التحالف الدولي.

التعليقات

الصنف

سياسة

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026