تشهد محافظة السويداء بالجنوب السوري، خلال الأيام القليلة الماضية، تصاعداً لافتاً في أعمال العنف وارتكاب الجرائم لدوافع جنائية و"سياسية" لا سيما في ظل ما تشهده من محاولة اختراق داخلي وخارجي، كما يقول أهلها، وأصوات في الداخل تؤكد قيادة المرحلة بشكلها الأصولي.
تفشي العنف وارتفاع أعداد الضحايا
في تقرير لجريدة "المدن"، كشفت مصادر مطلعة أنه منذ مطلع كانون الأول/ديسمبر الجاري، سُجّل مقتل تسعة أشخاص في مناطق متفرقة من السويداء، بينهم امرأة وطفلة، إضافة إلى إصابة ستة آخرين، مع تسجيل حوادث سطو وسرقة ممتلكات عامة وخاصة.
وأفادت المصادر أنه وصلت جثث بعض الضحايا إلى المستشفى الحكومي مع آثار تعذيب على جسدي اثنين منهم، وهما، ماهر فلحوط ورائد المتني، اللذان توفيا بعد أقل من يومين على توقيفهما من قبل "الحرس الوطني" بتهم متعلقة بالتواصل مع الحكومة الانتقالية بدمشق.
الجرائم السياسية مقابل الجرائم الجنائية
بينما تصاعدت حوادث القتل العشوائي، تبرز جرائم ذات "أبعاد سياسية واضحة"، مثل حادثة مقتل، أنور الشاعر، الرئيس السابق لبلدية قرية بوسان، برصاص مسلحين مجهولين أمام منزله.
وكان الشاعر معروفاً بآرائه المعارضة لإدارة السويداء في هذه المرحلة، وتلقى، بحسب التقرير، "تهديدات متكررة ما جعل مقتله علامة على تصاعد التحريض السياسي وتحوله إلى أداة ضغط عبر العنف".
بالموازاة، تواصلت جرائم القتل ذات الطابع الجنائي والعائلي بشكل متصاعد وجدلي، حيث شهدت بلدة ملح بالريف الشرقي، حادثة مروعة أدت إلى وفاة السيدة، ولاء الباسط وطفلتها، وإصابة طفلها الآخر، على يد شقيق زوجها، الذي تبين تعاطيه مواد مخدرة.
كما سُجلت حوادث قتل أخرى في بلدتي نجران وصلخد، أحدها نتيجة خلاف شخصي وأخرى داخل إطار عائلي، إضافة إلى مقتل الشاب، أوس مسعود، في ظروف غامضة، حيث طالبت عائلته الجهات الأمنية بتسليم المتهمين.
هشاشة الأجهزة الأمنية وانفلات السلاح
تعكس أحداث السويداء الأخيرة هشاشة التشكيلات الأمنية في المحافظة. ففي حادثة مقتل الشاب، نورس ناصر، الذي قُتل قرب دوار العمران إثر خلافات مالية، أعلن "الحرس الوطني" فصل المتهم بعد أن أثبت انتمائه لصفوف التشكيل العسكري، "ما يعكس ضعف الانضباط الداخلي وصعوبة التحكم بالسلاح المتداول بين المدنيين والمتطوعين".
في سياق متصل، تعرض الشاب، ورد الجغامي، لرصاصة طائشة في وقت سابق، أدت إلى دخوله العناية الفائقة بالمستشفى الوطني بالسويداء، وتعكس الحادثة استمرار ظاهرة إطلاق النار العشوائي، والتي تحولت إلى سلوك يومي في المحافظة، في ظل غياب آليات فعالة للحد من انتشار الأسلحة.
تفاوت تطبيق القانون وتحديات المرحلة الانتقالية
رغم الإعلان عن توقيف عدد من المتورطين في الجرائم الجنائية، يلاحظ "غياب إجراءات مشابهة في القضايا السياسية، ما يعزز الانطباع بانتقائية تطبيق القانون"، بحسب ما جاء في التقرير.
يضاف إلى ذلك، معاناة الأجهزة الأمنية من نقص الموارد والكوادر، وضعف الإمكانات اللوجستية، وعدم جاهزية أماكن الاحتجاز، ما يضعف القدرة على تنفيذ أي دور رقابي أو قانوني فعّال.
تشير هذه المعطيات إلى أن السويداء تمر بمرحلة انتقالية شديدة التعقيد، يتم فيها إدارة الخلافات والصراعات بالسلاح، وسط غياب حلول قريبة للأزمة السياسية مع الحكومة المركزية، وتراجع الثقة بالمؤسسات المحلية. هذه البيئة تجعل المدنيين أكثر عرضة للتضرر، ويزيد من احتمال تحول العنف إلى سلوك اعتيادي في الحياة اليومية.
قراءة تحليلية
الواقع في السويداء يبرز مزيجاً من الفوضى الأمنية والصراعات السياسية والاجتماعية، حيث يصبح السلاح أداة ضغط وممارسة للنفوذ. هذه المعادلة تُلقي الضوء على عجز السلطات المحلية الجديدة عن فرض القانون، وعلى ضعف التوازن بين حقوق المواطنين وواجبات الأجهزة الأمنية.
كما تشير إلى ضرورة معالجة الأزمة من زاويتين متوازيتين: الأولى، تعزيز قدرات الأمن الداخلي وتطوير منظومة قضائية شفافة، ومواجهة خطاب التحريض السياسي الذي يغذي العنف، قبل أن تتحول المحافظة إلى ساحة دائمة لتصفية الحسابات.
والثانية، اطلاع المجتمع المحلي على كافة المستجدات والأوضاع الأمنية والسياسية، وإشراك النخب السياسي والاجتماعي في القضايا المصيرية التي تتعلق بمستقبل المحافظة، لا سيما في خضم ما تمر به السويداء منذ أحداث تموز/يوليو الماضي، وكان آخرها محاولة الخرق الداخلي، "الانقلاب"، ضمن الأوساط المحلية بالمحافظة وباستغلال لقضية المهجرين والنازحين.


