هاشتاغ
منذ مطلع الشهر الجاري كانون الثاني/ديسمبر، شهدت مناطق في جنوب سوريا سلسلة توغلات نفذتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، تركزت تركيزاً رئيسياً في محافظة القنيطرة ومحيطها. وترافقت هذه التحركات مع إجراءات ميدانية شملت إقامة حواجز مؤقتة وعمليات توقيف، وهذا أثار حالة من القلق بين السكان المحليين، وأعاد تسليط الضوء على واقع التوتر المستمر في المنطقة الحدودية.
أجرى موقع "هاشتاغ" إحصائية خاصة استندت إلى متابعة ومراجعة تقارير وكالة الأنباء السورية الرسمية"سانا"، لرصد عدد التوغلات التي نفذتها القوات الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، إلى جانب حالات الاعتقال والحواجز المؤقتة التي أُقيمت منذ بداية شهر كانون الثاني/ديسمبر وحتى تاريخ إعداد هذا التقرير.
وشملت الإحصائية تحديد المناطق التي شهدت توغلات وتكرارها، بهدف توثيق حجم النشاط الميداني ورسم صورة أوضح لتطوراته في الفترة المذكورة.
45 عملية توغل في 21 يوماً
ريف القنيطرة عموماً كان الأبرز في سلسلة التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية وخصوصاً الجنوبي والشمالي؛ إذ بلغ عدد التوغلات في الريف الجنوبي للمحافظة منذ بداية الشهر الحالي وحتى كتابة هذا التقرير 21 توغلاً شملت صيدا الحانوت، الدواية، تل أبو قبيس، أن عظام، زبيدة الغريية، برعم، بريقة، رويحينة، الحيران، تلة الدرعية، الرفيد.
بينما بلغت التوغلات في الريف الشمالي 22 عملية توغل شملت القرى الواقعة بالريف الشمالي، تلة الحصرية، الصمدانية الشرقية والغربية، تل كروم حبا، أم باطنة، العجرف، خان أرنبة، أم العظام، المشيرفة، السعايدة.
كما توغلت قوات الاحتلال في ريف درعا الغريي وتحديداً بلدة العارضة؛ إذ تم اعتقال شاب قبل أن تنسحب من المنطقة.
وفي سياق متصل نفذت قوات الجيش الإسرائيلي عملية توغل في الكروم الغربية لبلدة بيت جن بريف دمشق الغربي، وجاء هذا التوغل بعد استهداف إسرائيلي للمنطقة أدى إلى مقتل 13 مدنياً سورياً.
حواجز تفتيش وترهيب
القوات الإسرائيلية تنفذ دخولًا محدودًا داخل عمق المناطق السورية بآليات عسكرية في أوقات متقاربة، غالباً من دون إعلان مسبق، بعض التوغلات التي نُفذت في هذا الشهر رافقها نشر نقاط تفتيش مؤقتة في الطرق بين القرى وإقامة حواحز غالبها مؤقت، يتم بها توقيف المركبات وتفتيش المدنيين، كما وثّقت مصادر عدة إقامة نقاط تفتيش في مناطق مثل أم العظام، رويحينة وخان أرنبة وغيرها.
المدنيون في المناطق السورية التي يتم فيها التوغل ووضع حواجز إسرائيلية تعرضوا للمضايقات وتفتيش المركبات.
القوات المتوغلة تطلق النار في الهواء إطلاقاً متقطعاً، وشهدت بعض التوغلات إطلاق النار باتجاه منازل الأهالي وخصوصاً القريبة من نقاط تابعة لجيش الاحتلال بهدف ترهيب المدنيين وإبعادهم عن محيط المنطقة.
عمليات اعتقال وإفراج
وسجل موقع "هاشتاغ" ضمن إحصائيته الخاصة، تنفيذ القوات الإسرائيلية عمليات اعتقال بحق مواطنين سوريين في أثناء توغلاتها في مناطق جنوب البلاد منذ بداية شهر كانون الثاني/ديسمبر. ووفق المعطيات المتوفرة، جرت هذه الاعتقالات في أثناء دخول القوات إلى القرى والطرق الزراعية، أو عند إقامة حواجز مؤقتة؛ إذ تم توقيف عدد من المدنيين فترات متفاوتة، قبل الإفراج عن بعضهم لاحقًا، في حين لا تزال المعلومات محدودة عن مصير آخرين، في ظل غياب بيانات رسمية توضح أسباب هذه الاعتقالات أو ظروفها.
وبلغت الاعتقالات بحق مدنيين سوريين 5 اعتقالات بينما وصل عدد الذين تم الإفراج عنهم 6 أشخاص.
تجريف الأراضي وتدمير ممتلكات
لم تذكر وكالة "سانا" أي معلومات تفيد بإجراء الاحتلال عمليات تجريف في هذا الشهر، لكن في الأشهر السابقة كشفت تقارير صحافية محلية وميدانية عن إجراء الجيش الإسرائيلي عمليات تجريف في ريف محافظة القنيطرة.
في 30 تشرين الأول /أكتوبر، شهدت قرية بئر عجم أعمال تجريف شملت مساحات من الأراضي الزراعية، وبعض المنازل المهجورة، كما شهدت القرية نزوح 5 عائلات إلى مدينة القنيطرة، من جراء مصادرة أراضيهم الزراعية وبدء تجريفها.
وذكرت المصادر أن تجريف غربي قرية بئر عجم يهدف إلى استكمال مشروع شق شبكة الطرق الاستراتيجة، لربط النقاط العسكرية التابعة للاحتلال الإسرائيلي في المنطقة منزوعة السلاح، والذي يعرف بمشروع طريق "سوفا 53".
ويرى مراقبون أن تجريف الأراضي يساهم عملياً في قطع مصادر رزق السكان المحليين ومنع الوصول إلى الأراضي والمراعي، وهذا يؤثر في سبل عيش المزارعين والرعاة، ويغير استخدامات ال
أرض في المنطقة.
غضب شعبي
بوتيرة شبه يومية، تتوغل القوات الإسرائيلية في مناطق الجنوب السوري، ولا سيما في ريف القنيطرة والمناطق المحاذية للجولان المحتل. وتشمل هذه التحركات إقامة حواجز مؤقتة في الطرق، وتنفيذ عمليات توقيف لمواطنين سوريين، إضافة إلى أعمال تجريف وتدمير غابات وأراضٍ زراعية ومراعي.
وتبرز هذه العمليات في إطار ما تصفه المصادر الإسرائيلية بالحاجة إلى تعزيز الأمن على طول الخط الحدودي، وفصل المناطق العسكرية عن المدنيين، على الرغم من أن هذه الإجراءات تؤثر تأثيراً مباشراً في السكان المحليين ومصادر رزقهم.
ومن جهة أخرى، وثّقت وسائل إعلام محلية وتصريحات الأهالي أن هذه الأنشطة العسكرية المتكررة أدت إلى تصاعد الغضب الشعبي ضد إسرائيل، وسط تحذيرات من استمرار التوتر وتأثيره في الاستقرار اليومي للمدنيين في القرى الحدودية.
دمشق ملتزمة وإسرائيل تواصل انتهاكاتها
وعلى الصعيد السياسي، قال مندوب سوريا في الأمم المتحدة إبراهيم علبي في تصريحات سابقة إن دمشق ملتزمة باتفاقية فض الاشتباك المبرمة مع تل أبيب منذ عام 1974، في حين تواصل إسرائيل انتهاكاتها لها.
وأضاف علبي في كلمة أمام مجلس الأمن الدولي "في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة السورية والمجتمع الدولي إلى تحقيق الاستقرار في الشرق الأوسط تسعى إسرائيل جاهدة إلى زعزعة هذا الاستقرار".
وفي السياق، قال مندوب فرنسا في الأمم المتحدة جيروم بونافون إن على إسرائيل الانسحاب من الأراضي السورية التي توجد فيها منذ ديسمبر/كانون الأول 2024.
وشدد مندوب فرنسا بالقول إن "على إسرائيل احترام سيادة سوريا ووحدة أراضيها، ووقف توغلاتها".
وفي موقف مشابه، دعا القائم بأعمال مندوب بريطانيا في الأمم المتحدة إسرائيل إلى احترام وحدة الأراضي السورية، وحذر من أن الهجمات الإسرائيلية في سوريا تهدد بمزيد من زعزعة استقرار البلاد.
من جانبها، قالت آصلي غوفن نائبة المندوب التركي في الأمم المتحدة إن الهجمات الإسرائيلية المتواصلة في سوريا تقوض جهود ترسيخ أمنها واستقرارها.
وفي مقابل كل هذه المواقف قال المندوب الإسرائيلي في الأمم المتحدة إن تل أبيب ستدافع عن حدودها الشمالية، ولن تسمح لمن وصفهم بـ"الإرهابيين والمسلحين" بالعمل إلى جوارها.
وتوضح التوغلات الإسرائيلية شبه اليومية في جنوب سوريا، وخاصة في ريف القنيطرة وريف دمشق، استمرار التوتر عند الحدود وتأثيره المباشر في المدنيين ومصادر رزقهم. وبينما تواصل دمشق التزامها اتفاقية فض الاشتباك، تستمر الانتهاكات الإسرائيلية من اعتقالات وحواجز مؤقتة وتجريف الأراضي، وهذا يزيد من الغضب الشعبي ويثير مخاوف من مزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة. وتدعو هذه التطورات المجتمع
الدولي إلى مراقبة الوضع وضمان احترام السيادة السورية ووحدة أراضيها.


