هاشتاغ - خاص
لم تكن الاشتباكات التي اندلعت بين قوات سوريا الديمقراطية "قسد" والقوات الحكومية في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب مساء الإثنين حدثاً معزولاً أو مفاجئاً؛ بل جاءت في سياق سياسي وأمني معقّد يظهر تعثّر مسار التفاوض بين الطرفين، وتداخل العامل التركي بوصفه عنصراً حاسماً في توقيت استخدام أدوات الضغط وشكلها. فهذه الاشتباكات، وإن لم تكن الأولى، تحمل دلالات تتجاوز حدود الحيين ذوي الغالبية الكردية، لتطال مستقبل العلاقة بين "قسد" ودمشق؛ بل وشكل الدولة السورية في المرحلة المقبلة.
تجدّد الاشتباكات اليوم هي مؤشر على هشاشة التفاهمات القائمة، أو على استخدامها ورقة ضغط متبادلة في سياق تفاوضي متعثر.
اشتباكات متكررة وسياق غير جديد
منذ توقيع اتفاق العاشر من آذار 2025، شكّل حيا الشيخ مقصود والأشرفية إحدى أكثر نقاط التماس حساسية بين "قسد" والقوات الحكومية في حلب. وقد شهد الحيّان اشتباكات سابقة، كان آخرها في مطلع الشهر العاشر من العام الجاري، وانتهت باتفاق لوقف إطلاق النار عقب لقاء جمع قائد "قسد" مظلوم عبدي ووزير الدفاع السوري مرهف أبو قصرة، برعاية المبعوث الأمريكي الخاص إلى سوريا توم باراك.
تجدّد الاشتباكات اليوم هي مؤشر على هشاشة التفاهمات القائمة، أو على استخدامها ورقة ضغط متبادلة في سياق تفاوضي متعثر.
هذا التسلسل الزمني يجعل من الصعب عد ما جرى محض مصادفة، ويعزز فرضية أن خيار "تحريك المفاوضات بطريقة مختلفة" -كما عكسه الخطاب السياسي- قد تُرجم ميدانياً بما يمكن وصفه بـ "التفاوض بالنار".
لماذا الآن؟ المؤتمر الصحافي الذي أطلق الشرارة
يطرح توقيت الاشتباكات تساؤلات جوهرية عن الدوافع وكلمة السر. فقد اندلعت بعد وقت قصير من انتهاء المؤتمر الصحافي المشترك لوزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ونظيره التركي هاكان فيدان في قصر الشعب بدمشق، عقب لقاء الوفد التركي الذي ضم وزير الدفاع ورئيس الإستخبارات مع رئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع.
في المؤتمر، أظهر الطرفان السوري والتركي توافقاً واضحاً في اتهام "قسد" بعدم الجدية في تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس، القاضي باندماجها في مؤسسات الدولة السورية، وذلك على الرغم من إعلان الشيباني تلقي دمشق رداً مكتوباً من "قسد" على مقترح جديد، وأن هذا الرد قيد الدراسة. وقال الشيباني إن دمشق لم تلمس "إرادة جدية" عند "قسد"، في حين كرر فيدان الموقف نفسه، في انسجام سياسي لافت.
بعد أقل من نصف ساعة، وتحديداً عند الساعة الخامسة مساءً، أعلنت الحكومة السورية اندلاع الاشتباكات في محيط الشيخ مقصود والأشرفية. هذا التسلسل الزمني يجعل من الصعب عد ما جرى محض مصادفة، ويعزز فرضية أن خيار "تحريك المفاوضات بطريقة مختلفة" -كما عكسه الخطاب السياسي- قد تُرجم ميدانياً بما يمكن وصفه بـ "التفاوض بالنار".
هذا الطرح بدا وكأنه يصطدم مباشرة بالرؤية التركية، التي تعد أن هندسة الحكم في سوريا شأن تركي بالدرجة الأولى، وترفض أي مسار يمنح "قسد" شرعية سياسية مستقلة أو حماية دولية دائمة
رد "قسد" المكتوب ورد الحكومة بالنار
بحسب المعلومات المتداولة، ركز رد "قسد" على مقترح الحكومة السورية الأخير المتعلق بالاندماج وتطبيق اتفاق العاشر من آذار عن مطلبين أساسيين: الأول تثبيت الاتفاقات الموقعة بين الطرفين في الدستور السوري بما يمنحها صفة إلزامية، والثاني أن تُبرم هذه الاتفاقات برعاية دولية خارج دمشق، بما يضمن تنفيذها ويوفر مرجعيات دولية ضامنة.
غير أن هذا الطرح بدا وكأنه يصطدم مباشرة بالرؤية التركية، التي تعد أن هندسة الحكم في سوريا شأن تركي بالدرجة الأولى، وترفض أي مسار يمنح "قسد" شرعية سياسية مستقلة أو حماية دولية دائمة. وقد أثّر ذلك بوضوح في لغة المؤتمر الصحافي المشترك؛ إذ ظهر تطابق واضح بين الموقفين السوري والتركي تجاه "قسد"، لا سيما مع تأكيد الوزير التركي أن "استقرار سوريا هو استقرار تركيا".
من أطلق النار؟ روايتان وصراع سرديات
ميدانياً، اندلعت الاشتباكات بين عناصر (قسد) وقوى الأمن الداخلي التابعة لوزارة الداخلية السورية المنتشرة على الحواجز المحيطة بالحيين. وامتد القنص إلى دواري الليرمون والشيحان، فيما سقطت قذائف هاون في أحياء السريان والجميلية داخل مدينة حلب.
وزارة الداخلية السورية اتهمت "قسد" بـ"الغدر"، مشيرة إلى انسحابها المفاجئ من الحواجز المشتركة وفتح النار عليها، في حين قالت "قسد" إن فصائل مرتبطة بوزارة الدفاع السورية هاجمت حاجز دوار الشيحان، ثم شنت هجوماً واسعاً بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة على الحيين، وهذا نفته وزارة الدفاع السورية.
هذا التباين في الروايات يظهر صراع السرديات بقدر ما يظهر تبادل إطلاق النار، إذ يحمّل كل طرف، الآخر مسؤولية عدم تنفيذ الاتفاقات الموقعة، في حين تبدو الاشتباكات، في جوهرها، مواجهة محسوبة لإعادة خلط أوراق التفاوض.
الدور التركي: كلمة السر
لا يقتصر الدور التركي على توفير غطاء سياسي لدمشق؛ بل يتجلى أساساً في تحديد سقف المفاوضات وشكل الحل المقبول. فأنقرة ترى في أي مرونة من الحكومة السورية تجاه مطالب "قسد" تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وتضغط باتجاه دمجها ضمن مؤسسات الدولة بشروط صارمة، أو إخضاعها بأدوات الضغط السياسية والعسكرية.
من هذا المنطلق، تبدو حلب -لا الحسكة ولا الرقة- الساحة الأنسب لإيصال الرسالة، نظراً إلى حساسية حيي الشيخ مقصود والأشرفية، وقدرتهما على تحريك المشهد السياسي والأمني من دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
تشكل الاشتباكات رسالة واضحة إلى "قسد" أن هامش المناورة يضيق، وأن الوقت المتاح لتنفيذ اتفاق 10 آذار قبل نهاية العام يتقلص، في ظل توافق سوري-تركي آخذ في التصعيد.
التداعيات المحتملة
على المدى القريب، تنذر هذه الاشتباكات بتقويض اتفاق نيسان/أبريل الخاص بالحيين، إضافة إلى اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الأول، وهذا يفاقم تراجع منسوب الثقة بين الطرفين، ويزيد من المخاوف الإنسانية في أحياء مدنية مكتظة بالسكان.
سياسياً، تشكل الاشتباكات رسالة واضحة إلى "قسد" أن هامش المناورة يضيق، وأن الوقت المتاح لتنفيذ اتفاق 10 آذار قبل نهاية العام يتقلص، في ظل توافق سوري-تركي آخذ في التصعيد.
وعلى الرغم من التصعيد الميداني المحسوب، لا يبدو أن أي طرف يسعى إلى انفجار شامل. فالاشتباكات، بحسب مراقبين، أقرب إلى أداة ضغط مدروسة لدفع "قسد" نحو إبداء مرونة أكبر، لا إلى قرار بالحسم العسكري.
ولا تزال آفاق الحل قائمة، لكنها تبقى مشروطة بإعادة ضبط مسار التفاوض: إما بقبول "قسد" بشروط اندماج أقرب إلى رؤية دمشق وأنقرة، وإما بالعودة إلى وساطة دولية -أمريكية تحديداً- تعيد تثبيت التهدئة وتمنع انزلاق حلب إلى جبهة مفتوحة.
في المحصلة، ما يجري في الشيخ مقصود والأشرفية ليس صراعاً على حيين فحسب؛ بل فصل جديد من صراع الإرادات في مستقبل شمال شرق سوريا؛ إذ تختلط البنادق بالبيانات السياسية، وتتحول الشوارع إلى طاولة تفاوض ساخنة.


