هاشتاغ - خاص
عاد ملف العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطات الانتقالية في دمشق إلى الواجهة، لا عبر إعلان رسمي، بل من خلال تسريب إعلامي فجّر تناقضاً واسعاً في الخطاب السياسي والإعلامي للسلطة، وكشف حجم الضغوط التي تتعرض لها في واحد من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً.
التقرير الذي بثّه تلفزيون سوريا قبل يومين حول اتفاق جديد مرتقب بين الطرفين، لم يكن مجرد قراءة صحافية أو تسريب ناقص، بل تضمّن تفاصيل دقيقة أعادت تثبيت وجهة نظر قسد في مسألة الاندماج العسكري، وأظهرت أن ميزان التفاوض يميل بوضوح لمصلحتها، خلافاً لما حاولت السلطة الانتقالية تسويقه خلال الأشهر الماضية.
تسريب غير عابر
بحسب ما أورده تلفزيون سوريا، فإن الاتفاق يتضمن دمج نحو 90 ألف عنصر من قسد ضمن ثلاث فرق عسكرية، تتموضع في الرقة ودير الزور والحسكة، مع وجود ضمانات دولية تشارك فيها واشنطن ولندن وباريس وبرلين.
هذه المعطيات، إن صحت – وهي ما لم تنفه دمشق تفصيلاً – تعني عملياً تثبيت الكتلة العسكرية لقسد بشرياً وجغرافياً داخل البنية العسكرية السورية المقبلة، لا تفكيكها أو إذابتها، وهو ما يشكّل انتصاراً واضحاً للرؤية الكردية التي طالبت منذ البداية بالاندماج كوحدات قائمة لا كأفراد.
الأهم أن ذكر الضمانات الغربية ينسف سردية "التخلي الغربي" عن قسد، ولا سيما الأمريكية منها، وهي سردية جرى الترويج لها بكثافة في الخطاب الإعلامي القريب من السلطة الانتقالية، في محاولة لفرض شروط تفاوضية من موقع ضعف الطرف الكردي.
المسكوت عنه.. أكثر دلالة
ما لم يرد في التسريب بدا أكثر دلالة مما ورد فيه. إذ غابت تفاصيل آليات اتخاذ القرار داخل هذه الفرق، وطبيعة توزيع المناصب في وزارتي الدفاع والداخلية، وكذلك شكل وآليات دخول قوات السلطة الانتقالية إلى مناطق شمال شرق سوريا.
هذا الغياب لا يبدو تقنياً أو عرضياً، بل يعكس – وفق تقديرات سياسية – أن قسد نجحت في تأجيل أو تحييد الملفات الأكثر حساسية، بما يضمن لها الاحتفاظ بهامش واسع من الاستقلالية الفعلية حتى بعد الإعلان عن "الاندماج" ، وهو ما يكرّس واقعاً عسكرياً وأمنياً قائماً لا تفكيكه.
نفي مرتبك
بعد ساعات من انتشار التسريب، صدر نفي رسمي من دمشق على لسان عبادة كوجان، معاون وزير الإعلام، وهو نفي بدا أقرب إلى ردّ فعل سياسي متأخر منه إلى تفنيد حقيقي للتفاصيل المسرّبة.
اللافت أن النفي لم يتناول جوهر ما ورد في التسريب، كأعداد العناصر أو طبيعة الفرق أو الجهات الضامنة، بقدر ما ركّز على نفي وجود اتفاق "بهذه الصيغة" ، من دون تقديم رواية بديلة واضحة أو توضيح ما إذا كانت المفاوضات متوقفة فعلاً أم أن الاعتراض يطال توقيت الكشف فقط.
كما أضفى على المشهد مزيداً من الالتباس كون النفي صدر عن شخصية إعلامية شغلت سابقاً مواقع إدارية في المؤسسة الإعلامية نفسها التي بثّت التسريب، ما غذّى الانطباع بوجود خلاف داخل الدوائر الإعلامية والسياسية المحيطة بالسلطة الانتقالية.
مظلوم عبدي يؤكد..
في خضم هذا التخبط، خرج قائد "قسد" مظلوم عبدي ليؤكد أن الاتفاق مع دمشق قريب، مثبتاً بذلك جوهر ما ورد في التسريب، ومحرجاً السلطة الانتقالية أمام الجهات الدولية الضامنة المفترضة.
هذا التصريح لم يكن تفصيلاً إعلامياً، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن قسد ماضية في مسار تفاوضي محمي دولياً، وأن أي تراجع أو نفي من جانب دمشق لن يكون مجانياً، بل سيضعها في موقع المربك أمام شركائها الخارجيين.
لاحقاً، جاء تصريح أحمد موفق زيدان، مستشار رئيس المرحلة الانتقالية للشؤون الإعلامية، بلهجة حملت تهديداً مبطناً، ما عكس انتقال الخطاب من النفي إلى التصعيد، في مؤشر إضافي على عمق التناقض داخل السلطة.
ضغط إقليمي.. ومأزق سوري
في المحصلة، لا يبدو الخلاف محصوراً في تفاصيل تقنية لاتفاق عسكري، بل يعكس مأزقاً سياسياً أعمق تعيشه السلطة الانتقالية، الواقعة بين ضغوط دولية تدفع باتجاه تسوية مع قسد بصيغة تضمن مصالحها، وحساسية إقليمية عالية تجاه أي صيغة تكرّس وجوداً عسكرياً كردياً منظّماً شمال شرق سوريا.
هذا التناقض يفسّر الارتباك في الموقف الرسمي، ويجعل من رواية التسريب – مهما جرى نفيها – الأقرب إلى الواقع، لا لأنها أُعلنت، بل لأنها كشفت ما تحاول دمشق تأجيله أو إخفاءه.
وفي بلد لم تنجح قواه السياسية حتى اليوم في بناء توافقات داخلية مستقلة عن الضغوط الخارجية، تبدو أي تفاهمات محكومة بالهشاشة، وقابلة للانكشاف عند أول اختبار جدي، وهو ما يعيد إنتاج الأزمة السورية بأشكال جديدة، لا حلّها.


