هاشتاغ - مؤيد العلي
رغم كونها مدينة حدودية نشطة تجارياً، وتُعد شرياناً حيوياً للتبادل التجاري مع العراق، ما تزال مدينة البوكمال في ريف دير الزور الشرقي تعاني حرماناً كاملاً من الخدمات المصرفية الحكومية، بعد توقف المصرف التجاري الوحيد عن العمل، دون وجود بديل رسمي يلبي حاجات آلاف المواطنين والتجار.
هذا الواقع يضطر السكان إلى تحمّل مشاق السفر، أو اللجوء إلى مكاتب صرافة خاصة غير قادرة على تعويض غياب المصرف الحكومي، سواء من حيث الصلاحيات أو الأمان المالي.
معاناة يومية
في مشهد يتكرر يومياً، يجد المواطنون أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّء، إما السفر لمسافة تقارب 130 كيلومتراً ذهاباً وإياباً إلى مركز المحافظة، مدينة دير الزور، لإنجاز أبسط المعاملات المصرفية، كقبض الرواتب، وتسديد الفواتير أو القروض. أو اللجوء إلى مكاتب الصرافة المحلية التي تفتقر إلى الصلاحيات الكاملة للقيام بهذه المهام.
وتُشكّل هذه الرحلة عبئاً مادياً يتمثل بتكاليف الوقود والنقل، إضافة إلى عبء زمني يستهلك ساعات طويلة من اليوم، فضلاً عن المشقة الجسدية، خاصة لكبار السن والمرضى، والموظفين الذين يضطرون للتغيب عن أعمالهم وخسارة يوم عمل كامل.
يقول أبو أحمد، وهو متقاعد، في حديثه لـ"هاشتاغ": "السفر إلى دير الزور مُتعب ومُكلف، وأضطر أحياناً لانتظار قريب أو جار ليقوم بسحب الراتب بالنيابة عني، وهو أمر غير قانوني أصلاً، لكننا مضطرون إليه".
من جهتها، تشكو الموظفة أم علي من اضطرارها لأخذ إجازة أسبوعية فقط لتسديد الأقساط ودفع الفواتير، مؤكدة أن هذه الخدمات من المفترض أن تكون متاحة داخل المدينة.
تعطيل دورة المال
لا تقتصر تداعيات غياب المصرف الحكومي على الأفراد فحسب، بل تمتد إلى عصب الحياة الاقتصادية في المدينة، أي النشاط التجاري.
يوضح التاجر محمد الحسن، الذي يستورد بضائع من العراق، أن غياب مصرف حكومي يعقّد عملية تسديد قيم البضائع للموردين عبر التحويلات الرسمية، كما يعيق دفع الرسوم الجمركية بطريقة منظمة وسريعة.
ويؤكد أن ذلك يؤدي إلى تأخير وصول البضائع، وارتفاع تكاليف التشغيل، ما ينعكس مباشرة على الأسعار في السوق المحلية.
ويضيف: "نضطر للاعتماد على مكاتب الصرافة كوسيط غير رسمي، لكن رسومها مرتفعة، ولا يمكنها التعامل مع المبالغ الكبيرة أو المعاملات الرسمية المعقدة".
في السياق ذاته، يشير تاجر آخر إلى أن المدينة تضم أكثر من 15 مكتب تحويل وصرافة، إضافة إلى فروع لشركات تحويل خاصة مثل "الهرم" و"الفؤاد"، ما يعكس حجم الحركة المالية النشطة، والحاجة الفعلية لوجود مصرف حكومي ينظمها.
ويرى صاحب أحد مكاتب الصرافة أن هذه المكاتب تخفف جزءاً محدوداً من المعاناة، لكنها لا يمكن أن تحل مكان المصرف:
"نحن مضطرون للسفر أسبوعياً إلى دير الزور، وأحياناً إلى الحسكة، لجلب السيولة النقدية اللازمة لتسيير أعمالنا. هذا الأمر ينطوي على تكلفة ومخاطرة. وجود مصرف حكومي سينظم العملية، ويخفف الضغط علينا، وسيكون شريكاً لنا لا منافساً".
بحاجة إلى تأهيل
المصرف الحكومي الوحيد الذي كان يعمل في مدينة البوكمال هو المصرف التجاري السوري، إلا أنه تعرض لأضرار كبيرة خلال سنوات الحرب، ما أدى إلى خروجه عن الخدمة بالكامل.
وتبقى عودته للعمل مرهونة بإعادة تأهيل المبنى، وتزويده بالتجهيزات المكتبية والتقنية، إضافة إلى توفير الكوادر اللازمة.
وفي هذا الإطار، تؤكد مديرة المصرف التجاري في دير الزور، بشرى الصياح، في حديثها لـ"هاشتاغ" عدم إمكانية افتتاح فرع البوكمال في الوقت الراهن، مشيرة إلى أنه جرى رفع كتب رسمية إلى الجهات الوزارية المعنية بهذا الشأن.
وتوضح الصياح أن المبنى يحتاج إلى ترميم وتأهيل شامل، وتجهيزه بالأثاث المكتبي وأجهزة الحاسوب وغيرها من المستلزمات، لافتةً إلى أن وضع فرع البوكمال لا يختلف كثيراً عن مبنى المصرف التجاري في دير الزور، الذي تعرض بدوره للتدمير خلال الحرب، ولا تزال خدماته تُقدّم منذ سنوات في مبنى المصرف العقاري، الذي يحتضن أيضاً مصرف التوفير.


