هاشتاغ – يارا صقر
أكثر من عقد مر على الحرب، ظلّ الأطفال السوريون خلاله الشريحة الأكثر هشاشة وتعرّضا للصدمة. لكنّ الصورة اليوم أكثر تعقيدا مما تبدو عليه؛ فبحسب ما تؤكده الاختصاصية التربوية والاجتماعية لينيت يوسف، لم يعد الأطفال يعيشون "آثار الحرب" فحسب، بل يعيشون تَبِعاتها الممتدة التي أعادت تشكيل أسرهم، مدارسهم، علاقاتهم، ونظرتهم إلى العالم.
* داخل الأسرة.. خوفٌ متراكم وأدوار انقلبت رأسًا على عقب
توضح يوسف أن الأسرة السورية كانت أولى الحلقات التي انهارت تحت ضغط الحرب، ما انعكس مباشرة على الطفل الذي فقد أحد أبويه سفراً أو وفاة أو نزوحاً، فاهتزّ توازنه النفسي وارتفعت مستويات القلق والخوف لديه.
وتشير إلى أن الأمهات وجدن أنفسهن مضطرات لحمل أعباء مضاعفة، فيما شعر الأطفال بتوتر الأهل وانعدام الاستقرار.
وتضيف: "الطفل السوري اكتسب وعياً أكبر من عمره، وتحمّل مسؤوليات لم يكن ينبغي أن يتحمّلها"، لافتةً إلى أن الضائقة الاقتصادية دفعت الكثير منهم للعمل مبكراً للمساهمة في إعالة الأسرة، فينتقلون قسرًا من مرحلة الطفولة إلى أدوار اجتماعية تفوق طاقتهم.
* المدرسة.. ملاذ مفقود وفجوة تعليمية تتسع
تؤكد يوسف أن تأثير الحرب على التعليم لم يكن معرفيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا.
فمدارس دمِّرت أو أغلقت، وأخرى اكتظت بالطلاب وسط نقص كبير في المدرّسين والدعم النفسي. أما في المخيمات، فالوضع أكثر قسوة مع غياب البنية التحتية وندرة الموارد، ما خلق فجوة تعليمية عميقة ستستمر لسنوات طويلة.
وتقول إن المدرسة ليست مكانًا للتعلّم فقط، بل بيئة أمان وروتين يحتاجها الطفل لاستعادة توازنه، وهو ما فقده كثيرون على مدار سنوات النزاع.
* اضطرابات نفسية واجتماعية.. جيل يعيش صدمة يومية
بحسب الاختصاصية، أصبحت الاضطرابات النفسية بين الأطفال أكثر شيوعًا بشكل غير مسبوق، وتشمل الخوف الدائم والقلق وصعوبة في التركيز.
كما تشمل اضطرابات نوم وسلوكيات عدوانية أو انعزال. وصدمات مرتبطة بالقصف والنزوح المفاجئ.
إضافة إلى صعوبة الاندماج في بيئات جديدة وانتشار الشعور بعدم الأمان.
وتوضح يوسف أن الفتيات أكثر عرضة للتأثر النفسي، بسبب الزواج المبكر أو تقييد الحركة أو زيادة الأعباء المنزلية، ما يضاعف الضغوط عليهن.
*تجارب مختلفة بين المناطق.. لكن الألم واحد
تشير يوسف إلى أن آثار الحرب تختلف بين منطقة وأخرى، فهناك في مناطق القتال المباشر، مستويات أعلى من اضطراب ما بعد الصدمة والخوف المزمن.
في حين أن المناطق الأكثر هدوءًا لوحظ ارتفاع في نسبة القلق الاقتصادي، وانعكس عدم الاستقرار على سلوك الأطفال.
الأسوأ كان في المخيمات ومواقع النزوح، وهي البيئة الأكثر هشاشة، حيث فقد الأطفال منازلهم ومدارسهم وأصدقاءهم واضطروا لبناء حياة جديدة تحت ضغط دائم.
* الدعم النفسي.. جهود محدودة وفجوة تتسع
توضح يوسف أن خدمات الدعم النفسي والاجتماعي في سوريا ضعيفة مقارنة بحجم الحاجة، بسبب قلة الكوادر، صعوبة الوصول لبعض المناطق، وغياب الوعي المجتمعي الذي لا يزال ينظر إلى العلاج النفسي بوصفه "وصمة".
ورغم وجود مبادرات محلية ودولية، إلا أنّ الفجوة—وفق يوسف—لا تزال واسعة جداً.
* تبِعات طويلة الأمد… جيل بحاجة إلى ترميم
تلفت يوسف إلى أن آثار الحرب على الأطفال لن تختفي بانتهاء النزاع، بل سترافقهم طويلاً، وأبرزها:
- صدمات نفسية تمتد حتى البلوغ
- فجوات تعليمية تهدد مستقبلهم المهني
- صعوبة بناء الثقة والعلاقات
- إعادة إنتاج الفقر بسبب العمل المبكر والتسرب المدرسي
- انتقال الصدمات للجيل التالي إذا غاب العلاج والدعم
وتختتم بالقول إنّ الأسرة تبقى خط الدفاع الأول لحماية الطفل، عبر الإصغاء، والكلمة الطيبة، وخلق مساحة آمنة للحوار، لأن "كلمة واحدة قد تبني أو تهدم عالمًا كاملاً داخل نفس الطفل".


