في تطور جديد يكشف النقاب عن حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السوري السابق ضد المعتقلين، أظهر تحقيق استقصائي دولي، الخميس، تفاصيل صادمة حول أساليب القتل الممنهج والتعذيب التي مارستها الأجهزة الأمنية التابعة للنظام المخلوع في سجونه. إذ استند إلى تسريبات ضخمة تضم أكثر من 134 ألف وثيقة استخباراتية سرية، تكشف عن شبكة من العمليات الوحشية التي طالت عشرات الآلاف من المدنيين السوريين. الوثائق التي تم جمعها وتوثيقها على مدار عقود تقدم لمحة عن كيفية عمل النظام السوري في إخفاء جرائم القتل والتعذيب، والتنسيق مع حلفائه الأجانب، فضلاً عن استغلاله الأموال الأممية لتمويل جزء من هذه العمليات القمعية.
واعتمد التحقيق، الذي تم تنفيذه بالتعاون بين هيئة الإذاعة الألمانية (NDR) والاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين (ICIJ)، على أكثر من 134 ألف وثيقة استخباراتية حصلت عليها المصادر من داخل الأجهزة الأمنية السورية.
وتغطي هذه الوثائق فترة زمنية تمتد من منتصف التسعينات حتى ديسمبر 2024. تكشف عن التنسيق المستمر بين أجهزة الاستخبارات السورية وحلفائها مثل روسيا وإيران، كما تفضح العلاقات المشبوهة مع شركات أمنية سورية موالية للنظام، والتي تلقت تمويلات تقدر بأكثر من 11 مليون دولار من وكالات تابعة للأمم المتحدة، وذلك في وقت كانت فيه هذه الشركات تلعب دورا رئيسيا في حماية المواقع الأممية بينما تعمل في الخفاء لصالح الأجهزة الأمنية، بالاستناد إلى مصادر موقع "تلفزيون سوريا".
صور قاسية توثق عمليات القتل والإخفاء
من بين الأدلة الأكثر إرباكاً التي أظهرتها الوثائق المسربة هي مجموعة ضخمة من الصور التي وثقت جثث المعتقلين الذين قضوا داخل سجون النظام، والتي التُقطت من قبل مصورين عسكريين يعملون لصالح الأجهزة الأمنية، وهي تُظهر جثث المعتقلين مع أرقام مسجلة عليها بطريقة بيروقراطية-أي تنفيذ القوانين بالقوة بالرغم من أي شيء- حيث كانت بعض هذه الجثث تحمل آثار تعذيب قاسية وتجويع، فضلاً عن كون العديد منها عاريا، مما يسلط الضوء على الحجم الكبير للانتهاكات الإنسانية التي ارتكبها النظام، وفق ما جاء في التقرير.
عمليات القتل الجماعي وغياب المحاسبة الدولية
التسريبات تقدم تفاصيل مرعبة عن عمليات القتل الجماعي والإخفاء القسري التي نفذها النظام السوري في سياق قمعه ل"الثورة السورية". إذ تشير الوثائق إلى أن أكثر من 160 ألف شخص تم اعتقالهم وإخفاؤهم قسريا من قبل النظام، حيث لم تتمكن العديد من العائلات من معرفة مصير أبنائها الذين اختفوا دون أي أثر، عدا عن تزييف أسباب الوفاة في شهادات طبية تُسجل "توقفاً قلبياً تنفسياً" أو "توقف قلب"، رغم أن السبب الفعلي كان التعذيب والقتل.
الأموال الأممية وتورط النظام السوري في دعم آلة القتل
من بين أبرز ما كشفته الوثائق هو استفادة النظام السوري من الأموال التي خصصتها وكالات الأمم المتحدة كمساعدات إنسانية للشعب السوري. كشفت التحقيقات عن أن هذه الأموال لم تقتصر على تقديم الدعم للمحتاجين، بل استخدمها النظام في تمويل شركات أمنية خاصة تعود ملكيتها للأجهزة الأمنية السورية، والتي كانت مسؤولة عن حماية المنشآت الأممية في سوريا حتى بعد تحذيرات من منظمات حقوق الإنسان حول ارتباط هذه الشركات بالنظام، استمر تدفق الأموال إليها، ما يطرح تساؤلات عن دور المجتمع الدولي في دعم آلة القتل السورية.
التوثيق والتتبع القضائي للضحايا
وفي مسعى لتحديد مصير المفقودين، تم تحليل أكثر من 70 ألف ملف وصورة، منها أكثر من 33 ألف صورة عالية الدقة لجثث معتقلين سوريين، تم التقاطها في المستشفيات العسكرية والسجون التابعة للنظام. هذه الصور، التي كانت مخزنة بعناية فائقة، تقدم أدلة جديدة لعائلات المفقودين تساعدهم في التعرف على ذويهم الذين اختفوا في ظروف غامضة. وقد تم تقديم هذه الأدلة إلى المنظمات الحقوقية مثل "المؤسسة المستقلة للمفقودين في سوريا" و"الشبكة السورية لحقوق الإنسان" للمساعدة في تحديد هوية الضحايا.


