هاشتاغ - خاص
منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد قبل عام وتولّي هيئة تحرير الشام إدارة المرحلة الانتقالية بقيادة الرئيس أحمد الشرع، بدأت ملامح جديدة تطغى على المشهد الثقافي في البلاد. في سوريا التي عُرفت تاريخياً بقدودها الحلبية وطربها الأصيل ومسرحها الرائد وإنتاجها الدرامي والغنائي الثري، طفت على السطح قيود متزايدة تطال الفنون، وعلى رأسها الموسيقا والطرب.
ورغم عدم صدور قرارات رسمية مباشرة من القيادة السياسية الجديدة تمنع الموسيقا، إلا أن الواقع على الأرض حمل مؤشرات مختلفة. فقد بدا واضحاً أن بعض المنتسبين للهيئة، إضافة إلى قادة محليين مرتبطين بمنظومتها الإدارية، تصرّفوا بطرق قاسية تجاه الأنشطة الفنية وفرضوا عليها قيوداً وأجواء تقييدية حادة، ما فتح الباب واسعاً أمام سؤال محوري: من المسؤول فعلياً عن خنق الحياة الموسيقية في سوريا؟
تتعامل هذه المجموعات مع الموسيقا بوصفها "محرّمة" أو "مستفزّة"، ما يضعها في مواجهة مع إرث موسيقي سوري يمتدّ لآلاف السنين
هجمات ومنع.. وقيود تتسع
على مدار العام الأول من المرحلة الانتقالية، سُجّلت سلسلة اعتداءات استهدفت الموسيقا والغناء والحفلات في عدة محافظات. تقارير إعلامية ومنظمات حقوقية وثّقت حوادث مختلفة نفّذتها مجموعات محلية بعضها مرتبط بجهات إدارية، وأخرى تعمل خارج أي إطار واضح، لكنها جميعها تحمل فكراً واحداً "الموسيقا ممنوعة".
تنوّعت تلك الحوادث بين منع فعاليات موسيقية أو إلغاء أمسيات قبل ساعات من موعدها بسبب "وجود آلات موسيقية" فيما تم اقتحام قاعات حفلات وأعراس وتكسير معدات الصوت والآلات على أيدي أشخاص ملثمين في عدة مناطق. هذه الاعتداءات التي تم توثيقها بالفيديو في دمشق والساحل وإدلب وحلب، تشير إلى نمط مستمر في التعامل العدائي مع الموسيقا.
وفي ظل غياب موقف رسمي يوضّح أو يقيّد أو يدين هذه الممارسات، يبقى الباب مفتوحاً أمام اجتهادات محلية تتصرّف دون مرجعية واضحة.
تتعامل هذه المجموعات مع الموسيقا بوصفها "محرّمة" أو "مستفزّة"، ما يضعها في مواجهة مع إرث موسيقي سوري يمتدّ لآلاف السنين: من ترنيمة أوغاريت، أقدم نوتة موسيقية في العالم، إلى المدرسة الحلبية و"الطرب الشامي" الذي ملأ مسارح الشرق، وصولاً إلى مغنين حملوا الصوت السوري إلى مسارح العالم مثل صباح فخري وميادة الحناوي وأصالة نصري وغيرهم الكثير.
مالك جندلي.. يعيد الأزمة إلى الواجهة
المنع الموسيقي يأخذ أشكالاً متعددة وبأساليب متنوعة، فما حصل مع الموسيقي السوري العالمي مالك جندلي الذي أعلن عودته إلى بلاده لأول مرة منذ سنوات طويلة، لإحياء حفل رمزي في ساحة الساعة وسط حمص تحت عنوان "سيمفونية سورية من أجل السلام". يعيد طرح السؤال.. من يريد أن يخنق الموسيقا في سوريا؟
الفعالية، التي تم الإعلان عنها رسمياً وبالتنسيق مع وزارة الثقافة السورية ومحافظة حمص وبمشاركة الفرقة السيمفونية الوطنية السورية والمايسترو الأميركي غاريت كيست، كان يُفترض أن تكون حدثاً مفتوحاً للناس يعيد للموسيقا حضورها في الفضاء العام.
لكن قبل ساعات من سفره إلى دمشق، تلقّى جندلي إشعاراً بإلغاء الحفل المفتوح، والإبقاء فقط على حفلات القاعات المغلقة في المركز الثقافي ودار الأوبرا. وكانت التبريرات متبدّلة، بحسب ما أعلن على صفحته على فيسبوك، مرة لأسباب لوجستية، ومرة أمنية، ثم اقتراح تعديلات في الوقت أو المكان.
رأى جندلي أن هذه التغييرات تقوّض جوهر مشروعه الذي يهدف إلى إعادة الموسيقا إلى الشارع السوري، معلناً اعتذاره عن الحضور. وأكد في بيانه أن قراره "لا يحمل نية للتصعيد أو الإساءة لأي جهة"، بل يستند إلى التزام مهني وإلى احترام الجمهور والاتفاقات الموقعة.
يتصدر المشهد خطباء ورجال دين يروّجون لخطاب تحريم الغناء والطرب
غياب الأصوات الثقافية.. وحضور خطاب التحريم
يوازي هذا المشهد غياب شبه تام لأصوات النخب الثقافية والفنية التي لطالما شكّلت الواجهة المدنية لسوريا. في المقابل، يتصدر المشهد خطباء ورجال دين يروّجون لخطاب تحريم الغناء والطرب، بينما تُفرَض قيود اجتماعية وثقافية غير مسبوقة، وتبدو المؤسسات الرسمية مترددة في مواجهة الظاهرة.
حتى الإعلام الرسمي، الذي كان يخصص مساحات واسعة لتغطية الفعاليات الفنية، تراجع تراجعاً ملحوظاً، مكتفياً بخبر مختصر هنا أو تقرير سطحي هناك، وكأن الموسيقا لم تعد جزءاً من الحياة العامة في البلاد، الأمر الذي كرس أجواء المنع دون أنتصدر بقرارات.
هل ستستعيد غنائها الذي شكّل لعقود جزءاَ من ذاكرتها ووجدانها، أم أن الصمت سيظل هو العنوان الثقافي للمرحلة؟
سوريا التي صنعت موسيقا الشرق.. إلى أين؟
بعد عام كامل على التحوّلات السياسية الكبرى في سوريا، لا تزال الموسيقا محاصَرة بين إجراءات غير معلَنة ومواقف متشدّدة تتحرك في ظل غياب سياسة ثقافية واضحة، وكأن المشهد برمّته معلّق بين إرثٍ موسيقي كان يوماً أحد ملامح الهوية السورية، وبين واقع جديد لا يزال يبحث عن بوصلته تجاه الفنون ودورها في الحياة العامة.
سوريا التي أنجبت أول نوتة موسيقية في التاريخ، وقدّمت للشرق روّاده الكبار، تجد نفسها اليوم أمام سؤالٍ لم يَعُد ممكناً تجاهله: هل ستستعيد غنائها الذي شكّل لعقود جزءاَ من ذاكرتها ووجدانها، أم أن الصمت سيظل هو العنوان الثقافي للمرحلة؟
وإذا كانت أبواب المسارح والساحات تُغلق أمام الموسيقا والطرب بتبريرات متبدّلة، فإن السؤال الأعمق يبقى: من يملك اليوم شجاعة فتح الأبواب أمام الموسيقا لتحريرها من قيودها، لتعود إلى مكانها الطبيعي في البلاد؟


