هاشتاغ - ترجمة
في أوائل نوفمبر/تشرين الثاني من العام الماضي، كان لدى النظام السوري السابق الكثير ليتطلع إليه. انضم الرئيس السوري حينها بشار الأسد لتوه إلى زملائه من قادة الشرق الأوسط في قمة إسلامية في المملكة العربية السعودية، مما مثّل خطوة كبيرة في عودته إلى الساحة الدولية. بعد القمة، صرّح الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي أمضى سنوات في محاولة الإطاحة بالأسد، للصحفيين أنه يأمل في مقابلة الزعيم السوري و"إعادة العلاقات التركية السورية إلى مسارها الصحيح".
ولكن، بعد أقل من شهر، فرّ الأسد من البلاد على متن طائرة روسية بينما بدأت قوات المعارضة المدعومة من تركيا اقترابها النهائي من دمشق.
فوجئ معظم المراقبين بهذا التطور، بما فيهم محلل شؤون الشرق الأوسط المخضرم نيل بارتريك الذي لم يكن أقل دهشة. يوضح بارتريك في كتابه الجديد "فشل الدولة في الشرق الأوسط"، أن نظام الأسد، الذي بدا وكأنه ينبعث من جديد، قد تحول في تلك المرحلة إلى جهاز دولة أجوف، مدعوم من داعمين أجانب، وعندما انسحب هؤلاء الداعمون، لم يتبقى للأسد خيار سوى الفرار.
يشرح نيل بارتريك كيف انهار نظام دام 50 عاماً في غضون أسابيع قليلة، وذلك في حوار مع موقع "ريسبونسبل ستيت كرافت" الأمريكي.
كان بشار في منصبه ولكنه ليس صاحب السلطة ويعتمد على شبكة ضيقة بشكل متزايد من الحلفاء
ضعف نظام الأسد قبل انهياره
يوضح بارتريك: "كانت الطريقة التي نجا بها النظام محفوفة بالمخاطر إلى حد كبير. وبينما تم فهم هذا الأمر، (لا أعتقد) أنه تم أخذه في الاعتبار بما فيه الكفاية من حيث مدى هشاشة النظام، وإلى حد ما، الدولة."
ويشرح: شمل ذلك إدارة ما تبقى من القوات المسلحة للدولة السورية كإقطاعية عائلية إلى حد كبير - مع التركيز على "النشاط الإجرامي بقدر تركيزها على الدفاع عن البلاد".
وتابع: "في الواقع، يمكن القول إن الأول كان أكثر تركيزاً من الثاني".
وبحسب المحلل: "شمل ذلك الاعتماد المتزايد على الميليشيات شبه الحكومية، المتورطة أيضاً في النشاط الإجرامي بقدر ما كانت متورطة في العمل الأمني، والاعتماد على الميليشيات المجاورة، وخاصة (حزب الله) من لبنان، والاعتماد على المساعدة المقدمة من إيران وروسيا".
وكشف: "إذا جمعت كل هذه العناصر معاً، بالإضافة إلى الاهتمام التركي بالترويج لنظام بديل، فسيكون لديك وضع غير آمن للغاية - بشار، كان في منصبه ولكنه ليس صاحب السلطة حقاً، ويعتمد على شبكة ضيقة بشكل متزايد من الحلفاء".
وتابع بارتريك: "لم أتوقع بالتأكيد انهياره بهذه السرعة. لكنه كان هشاً للغاية قبل سقوطه".
تم التنازل عن السلامة الوطنية للدولة قبل سنوات عديدة من انهيار الدولة في شكل شبكات أمنية شبه حكومية وشبه مستقلة
الميليشيات غير الحكومية
في سؤال عن "دور الميليشيات غير الحكومية التي كانت تتولى تدريجياً دور الجيش في سوريا"، قال بارتريك: لقد كانت عملية طويلة على مدار سنوات الحرب الأهلية، بدءاً من عام 2011، عندما كان النظام في أضعف حالاته.
وأوضح: "أُعيد تشكيل الميليشيات الموجودة مسبقاً. كانت ما يُسمى بـ (الشبيحة)- وهي مجموعات محلية ارتبطت ارتباطاً وثيقاً قبل الحرب الأهلية بالأنشطة الإجرامية و(رعاية النظام). ثم اندمجت هذه الميليشيات في مجموعات مدافعة عن المناطق المحلية ضد قوى المعارضة (الأصيلة) التي ظهرت عام 2011، والتي سيطرت عليها لاحقاً عناصر جهادية إسلامية أكثر تشدداً من الخارج."
ولفتت المحلل: من نواح عديدة، تم التنازل عن السلامة الوطنية للدولة قبل سنوات عديدة من انهيار الدولة في شكل شبكات أمنية شبه حكومية وشبه مستقلة، متورطة في أنشطة إجرامية ثم ميليشيات محلية. بعضها، بالطبع، كان مرتبطاً بجهات فاعلة أجنبية، سواء كانت إيرانية أو غير ذلك.
وتابع: "كانت هذه الهيئات مكونة من أشخاص محليين كانوا الأكثر موثوقية للدفاع عن منطقتهم المحلية. لذا فإن الروح الوطنية كانت ضعيفة للغاية قبل انهيار الدولة".
استخدم الأسد الابن جهات فاعلة مختلفة ومتناقضة للغاية لدعم نظامه
تناقض الجهات الفاعلة
بخصوص عملية الموازنة التي كان الأسد يحاول القيام بها خلال الحرب في غزة، وفقاً لما ورد في كتابه، مستشهداً بتعليق لـ سفير سوري سابق حول سعي الأسد آنذاك إلى تحقيق توازن وربما حتى تقليل الوجود الإيراني في سوريا، كشف بارتريك أن سياسة الأسد تضمنت بعض "العناصر التقليدية" والتي نفّذها والده بمهارة أكبر من حيث محاولة الموازنة بين (العناصر) الداخلية ومجموعة واسعة من العناصر الخارجية المتناقضة.
وتابع بارتريك: "لكن بشار الابن كان أقل مهارة وأقل براعة في إدارة شؤون الدولة"، موضحاً: "كان يستخدم جهات فاعلة مختلفة ومتناقضة للغاية لدعم نظامه - في المقام الأول القوات الروسية والإيرانية التي تعاونت ولكن كانت لها أجندات مختلفة نوعاً ما.
وبيّن: بالنسبة لإيران، كان الأمر مسألة وطنية وامتداد إقليمي. أما بالنسبة لروسيا، فكان الأمر مزيجاً معقداً من الأسباب، ولكنه أقل أهمية على المستوى الوطني بالنسبة لها.
وزاد: بالطبع، كان هناك العنصر التركي. كان لتركيا احتلال مستمر في أجزاء من شمال سوريا، وكانت ستتعاون إلى حد ما مع الروس في جوانب أمن الحدود، بينما رأى الإيرانيون أن دورهم أوسع بكثير، (ممتد) في جميع أنحاء البلاد من خلال قواتهم الخاصة ومن خلال دور "حزب الله" اللبناني وعناصر شيعية أخرى من المنطقة.
وكشف: "لقد كان الأمر عملية موازنة دقيقة للغاية. بسبب اندلاع الحرب الإقليمية عقب أحداث تشرين الأول/أكتوبر 2023، كان هناك أمل إلى حد ما، ولا سيما من قِبَل (حزب الله) وإيران، في أن تكون سوريا جزءاً من هذا الصراع".
وتابع: "بينما كان جزء من أراضيها جزءاً من الصراع، لم ترغب القيادة السورية في البقاء فيه، ورأت في ذلك فرصة لإرسال إشارات في نهاية المطاف إلى الأمريكيين، عبر دول الخليج العربية بالدرجة الأولى، كفرصةٍ للضغط والقول: ها أنا ذا أتحمل المسؤولية. أسعى لإبعاد بلدي عن هذه الحرب الإقليمية الناشئة".
كانت محاولة دقيقة للحفاظ على نظام الأسد الذي تقوده عائلته في مكانها الصحيح، لكنها فشلت في النهاية.
في إشارة إلى فشل محاولة الأسد هذه، أوضح بارتريك: "ظنّ أنه يستطيع استغلال كل هذه العناصر في آن واحد - ظنّ أنهم بحاجة إليه - وفي الوقت نفسه، كان يُحافظ على علاقاته مع الإيرانيين، ويضغط على الوجود الإيراني كوسيلة لاسترضاء الغرب أو استمالته - وهو وضع يكاد يكون من المستحيل محاولة موازنته. وقد ثبت في النهاية أنه كان سبب سقوطه".
عندما ظهرت الهشاشة وكأنها احتمال انهيار النظام الفعلي عدّل الإسرائيليون موقفهم
الدور الإسرائيلي
فيما يتعلق بالدور الإسرائيلي، يجادل بارتريك أنه خلال الحرب الأهلية منذ عام 2011، كانت هناك علامات على تحرك بعيداً عن "قبول إسرائيل الظاهر لنظام الأسد كقوة استقرار نسبي" إلى وضع بدأت فيه إسرائيل ترى ضعف النظام وبدا أنها تبحث عن خيارات أخرى داخل البلاد. بمجرد أن ظهرت الهشاشة وكأنها احتمال انهيار النظام الفعلي، عدّل الإسرائيليون موقفهم، على حد وصفه.
نفذوا عدداً من الضربات داخل سوريا بشكل دوري، لكنهم ركزوا بشكل كبير على ما اعتبروه أهدافاً مرتبطة بإيران. في الفترة التي سبقت أحداث نوفمبر/تشرين الثاني 2024، كانوا أيضاً أكثر استعداداً للتركيز على الأهداف السورية نفسها.
ويرى المحلل: "لا أعتقد أن الإسرائيليين كانوا يرغبون في إسقاط النظام، بل كانوا يكثفون هجماتهم العسكرية داخل سوريا، بما في ذلك استهداف أهداف وطنية سورية - وهو تحول من مجرد استهداف الأهداف المرتبطة بإيران. وبالطبع، كان (حزب الله) اللبناني يركز بشكل متزايد على الأحداث في الداخل، وقد أعاد قواته إلى لبنان، لأنه كان يتعرض لهجوم إسرائيلي".
يتابع: كانت إسرائيل واحدة من عدد من الجهات الفاعلة التي لعبت دوراً حاسماً – ويتساءل: "لكنني لا أعرف ما إذا كان أحد يعتقد حقاً أنه قادر على إسقاط النظام بهذه السهولة، أو ما إذا كان الإسرائيليون قد قرروا حقاً أن الوقت قد حان للقيام بذلك".
استخدام القوة الجوية من قبل دولة أجنبية قد يكون وسيلة للحفاظ على قائد في منصبه لفترة من الوقت
الحرب الروسية – الأوكرانية
بالنسبة للدور الذي لعبته الحرب الروسية – الأوكرانية في سقوط نظام الأسد، يشرح بارتريك: كانت روسيا نشطة من حيث دور قواتها الجوية على وجه الخصوص، في الاستخدام المدمر للقوة العسكرية ضد قوات المعارضة السورية.
وأوضح: إن استخدام القوة الجوية من قبل دولة أجنبية ليس في الواقع وسيلة لبناء نزاهة القيادة، ناهيك عن الدولة - ولكنه قد يكون وسيلة للحفاظ على قائد في منصبه لفترة من الوقت - لقد كان ذلك مهماً لبقاء النظام الذي يقوده الأسد في سوريا.
ويتابع بارتريك: لكن بعد ذلك، أصبح الأمر بمثابة مشكلة فيما يتعلق بقدرة روسيا المستمرة على الحفاظ على دور رئيسي هناك. بدأت موسكو بتقليص وجودها في الجنوب، وإلى حد ما في بقية البلاد، مع تزايد التزاماتها في أوكرانيا في سياق احتلالها العسكري المتصاعد لذلك البلد.
وهنا، لعب التخفيض الروسي دوراً في تفاقم الهشاشة التي ظهرت قبل عام، وشدد بارتريك: "في النهاية، حتى القوة التي كانت موجودة - القوة الروسية، والقوة الإيرانية - لم تكن أي من البلدين مستعدة لاستخدامها".
وكشف بارتريك نقلاً عن عدة مصادر، أن القيادة الروسية، والرئيس فلاديمير بوتين تحديداً أخبروا الأسد أن هذا الواقع "لن ينجح"، مؤكداً دور الروس المحوري في رحيله ورحيل عدد من الشخصيات الرئيسية الأخرى في النظام من البلاد.
خلصت عدة جهات فاعلة إلى أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء سواء كانوا الإيرانيين أو الروس وفي هذا السياق رأى الأتراك فرصة ثمينة
فرصة ثمينة
لفت المحلل إلى أن "الأسد، الذي كان يعتقد أن سلطته مرادفة تقريباً لسوريا نفسها، لم يكن مستعداً حتى لمحاولة تقاسم السلطة مع أفراد عائلته الرئيسيين الذين كان لهم دور، وأبرزهم شقيقه".
وبيّن: "لعب ذلك في النهاية دوراً رئيسياً في الانهيار".
وخلص: "في النهاية، خلصت عدة جهات فاعلة إلى أن الأمر لا يستحق كل هذا العناء، سواء كانوا الإيرانيين أو الروس. وفي هذا السياق، رأى الأتراك فرصة ثمينة من وجهة نظرهم".
في البيئة التي يعمل فيها الشرع لا يزال يفتقر إلى نموذج وجود الدولة لذلك يبقى قائداً ضعيفاً يعتمد على تجمع فضفاض من الميليشيات
عام على رحيل الأسد
حول تقييمه لمدى نجاح الرئيس الجديد، أحمد الشرع، في إدارة الدولة وعكس ضعف النظام السابق بعد مرور عام على الإطاحة بنظام الأسد، قال بارتريك: نحن في وضعٍ يُمكن اعتبار قدرة الدولة فيه أكبر مما كانت عليه عند انهيار النظام، لأنه من نواح عديدة، انهارت الدولة أيضاً العام الماضي. ما تبقى من النزاهة والقدرة الوطنية كان ضعيفاً للغاية أصلاً ثم تلاشى ببساطة."
وتابع: لدينا الآن رئيس في السلطة، وبقايا بعض القوات المسلحة القديمة تُعلن ولاءها له، مما يعني أن لدينا قدرة للدولة - لكن يبدو من نواح عديدة أن نظام الميليشيات الذي استخدمه بشار قد استُنسخ في سوريا اليوم، وإن كان ذلك بقيادة أفراد مختلفين.
واستدرك: "ليس لدينا قوات حكومية مؤهلة تماماً - يوجد مجموعة من الميليشيات شبه الحكومية القوية التي لا تربطها بها أي صلة.
وتابع: "هذه هي البيئة التي يعمل فيها الشرع. فهو لا يزال يفتقر إلى نموذج وجود الدولة، في فقدانه القدرة على احتكار العنف في بلاده بطريقة واضحة ومتكاملة".
ويختتم: "لذا، يبقى قائداً ضعيفاً، يعتمد على تجمع فضفاض من الميليشيات وبقايا قوات الدولة القديمة للدفاع عن الحدود قدر استطاعته"، وفق تعبيره.


