هاشتاغ
بحث

إضراب الساحل يتوسع.. رسالة احتجاج سلمي تتحدى الخوف والتهديد

09/12/2025

اضراب-الساحل-السوري

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص


يدخل الإضراب العام في مدن وبلدات الساحل السوري وريف حماة يومه الثاني، وسط حالة شلل نسبي في الحركة التجارية والأسواق، استجابة لدعوة المرجع الديني الشيخ غزال غزال، رئيس المجلس الإسلامي العلوي الأعلى، إلى إضراب شامل لمدة خمسة أيام والتزام المنازل، بوصفه رداً سلمياً على موجة من القتل والخطف والفصل التعسفي التي طالت أبناء الطائفة العلوية خلال الأشهر الماضية.

شلل في المدن والأسواق ورسائل "الكرامة"


بحسب مراسلي "هاشتاغ" وتقارير حقوقية، شمل الإضراب معظم مدن الساحل وبلداته: اللاذقية وطرطوس وجبلة وصافيتا والدريكيش، إضافة إلى ريف حماة الغربي ومدينة مصياف، حيث أظهرت الصور المتداولة شوارع شبه خالية ومحالّ مغلقة، مع تراجع واضح في الحركة المرورية والأسواق.


وفي أحياء وقرى ريف بانياس وضاحية تشرين والزقزقانية وعين الراهب وغيرها، انتشرت عبارات كتبت على الجدران واللافتات من قبيل: "الإضراب حق وكرامة" و"دم العلوي ليس رخيصاً" ، في تعبير رمزي عن ربط هذا التحرك بسلسلة الانتهاكات ذات الطابع الطائفي التي شهدها الساحل خلال العام الجاري.


الإضراب لم يقتصر على إغلاق المحال، بل امتدّ إلى المدارس والجامعات؛ إذ تحدّثت مصادر "هاشتاغ" عن تغيب أعداد كبيرة من الطلاب والكوادر التعليمية، بالتوازي مع دعوات شعبية إلى "إضراب الكرامة" كوسيلة ضغط سلمية لوقف الانتهاكات، بعيداً عن أي مسار مسلح.


جريمة "اليهودية".. القلق من تكرار القتل على الهوية


اليوم الثاني من الإضراب جاء مشحوناً بغضب إضافي بعد حادثة إطلاق النار على الشاب مراد محرز في منطقة اليهودية بريف اللاذقية؛ حيث أفادت صفحات محلية بأن مسلحين أطلقوا الرصاص على الشاب في صدره بعد أن سألوه عن طائفته، قبل أن يُنقل إلى المستشفى في حالة حرجة، بينما تحدث ناشطون لاحقاً عن وفاته متأثراً بإصابته.


هذه الحادثة أعادت إلى الواجهة ذاكرة موجة "مجازر آذار" وما سبقها من عمليات قتل وخطف بحق مدنيين علويين في الساحل وريف حماة وحمص، والتي وثقتها منظمات حقوقية ووسائل إعلام محلية ودولية، باعتبارها واحدة من أسوأ موجات العنف الطائفي منذ سقوط نظام الأسد.


ضمن هذا السياق، يبدو الإضراب – في سردية جزء واسع من الشارع العلوي – محاولة لوقف هذا "النزيف الصامت" عبر أداة سلمية، بعد أن أثبتت الاحتجاجات الميدانية السابقة محدودية قدرتها على تغيير قواعد التعامل الأمني.


تحرك ثانٍ بعد الاعتصامات.. ورسالة واضحة للحكومة الانتقالية


الإضراب يُعدّ ثاني تحرك جماعي واسع لأبناء الطائفة العلوية خلال أسابيع قليلة، بعد موجة الاعتصامات والمظاهرات التي شهدتها مدن الساحل في 24 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، استجابة لدعوة الشيخ غزال للمطالبة بإطلاق سراح المعتقلين العسكريين والمدنيين، والحديث للمرة الأولى بصوت مرتفع عن الفيدرالية واللامركزية كخيار سياسي.


في بيانه الأخير، انتقد الشيخ غزال الحكومة الانتقالية متهماً إياها بـ"استبدال نظام ظالم بنظام أشد ظلماً" ، وبالضغط على المدنيين عبر التهديد بلقمة العيش، وقرارات الفصل من العمل والنقل التعسفي والترهيب، لدفعهم إلى المشاركة في احتفالات رسمية بذكرى التحرير وسقوط النظام السابق، رغم الجراح التي لم تلتئم بعد في الساحل.


البيان ربط الإضراب بسلسلة مطالب، من بينها وقف القتل والخطف والانتهاكات الطائفية، وإطلاق سراح المعتقلين، ومراجعة ملف الموظفين المفصولين تعسفياً، إضافة إلى فتح نقاش سياسي جدي حول صيغ الحكم اللامركزي وضمانات المكوّنات المحلية.

ضغط مضاد من المؤسسات.. والإضراب يستمر


في مواجهة هذا التحرك، شدّدت المؤسسات التعليمية والدوائر الحكومية في الساحل إجراءاتها، عبر تعميمات تلزم الموظفين بالدوام الكامل تحت طائلة المساءلة، فيما أشارت تقارير حقوقية إلى تهديد بعض دوائر التعليم بفصل المتغيبين عن الدوام خلال أيام الإضراب الخمسة.


ورغم هذه الضغوط، تفيد شهادات محلية بأن نسبة الالتزام بالإضراب في اليوم الثاني بقيت مرتفعة في الأسواق والورش الصغيرة والمهن الحرة، مع تسجيل تفاوت أكبر في الحضور داخل المؤسسات الرسمية، حيث يوازن الموظفون بين الخوف من العقوبات الإدارية والرغبة في التعبير عن احتجاجهم.

أصوات علوية رافضة أو متحفظة


ورغم الاستجابة الكبيرة، لا يبدو المشهد داخل الطائفة العلوية موحداً بالكامل، حيث يعبر بعض الموظفين وأصحاب الأعمال الصغيرة عن ترددهم أو رفضهم للمشاركة، خشية خسارة وظائفهم أو مصادر رزقهم في ظل غياب بدائل اقتصادية حقيقية في الساحل بعد انهيار بنية الاقتصاد المرتبطة بالدولة القديمة.


إلى جانب ذلك، يلفت محللون سياسيون إلى أن جزءاً من النخب العلوية المتحالفة مع السلطة الانتقالية أو المستفيدة من واقعها، ينظر إلى دعوات الشيخ غزال بوصفها محاولة لـ"تسييس الهوية الطائفية" ودفعها نحو مسار عصيان مدني قد يعمق الانقسام، ويُستخدم من أطراف خارجية للضغط على الحكومة الجديدة.


هذه الأصوات لا تقلل من خطورة الانتهاكات، لكنها تحذر من أن الإضراب قد يُستثمر لإضعاف السلطة المركزية في لحظة هشّة، أو يُقرأ دولياً كإشارة على انزلاق البلاد إلى صراع مكوّنات بدل صراع سياسي على شكل الدولة.


مع ذلك، تعكس صور الأسواق المغلقة في اللاذقية وطرطوس، والشوارع الفارغة في جبلة ومصياف، أن المزاج العام في اليومين الأولين مال بوضوح لصالح الاستجابة لدعوة الإضراب، مقابل حضور محدود للأصوات الرافضة أو الداعية إلى كسره.


احتجاج سلمي في لحظة مفصلية


في المحصلة، يقدّم "إضراب الكرامة" في الساحل السوري نموذجاً جديداً لاحتجاج علوي سلمي، يحاول أن يواجه القتل على الهوية والخطف والفصل التعسفي بأداة مدنية لا بالسلاح، وأن يوجّه رسالة مزدوجة: إلى الحكومة الانتقالية بضرورة وقف الانتهاكات وإعادة النظر في سياساتها تجاه الساحل، وإلى باقي المكوّنات السورية بأن الطائفة العلوية تسعى لحماية أبنائها ضمن إطار وطني لا خارج عنه.


وبينما تراهن السلطات على أن التهديد بالعقوبات الوظيفية قد يقلص نطاق الإضراب في الأيام المقبلة، يراهن مؤيدوه على أنه، حتى لو لم يستمر بالزخم ذاته، فقد كسر حاجز الصمت داخل مجتمع يدفع أثماناً باهظة منذ أشهر، ووضع ملف الانتهاكات ضد العلويين على طاولة النقاش الوطني والدولي، كجزء من معادلة أوسع لحقوق جميع السوريين في الأمن والعدالة والمساءلة.

التعليقات

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026