أثار انخفاض نسبة مياه الشرب في سوريا مخاوف الحكومة الانتقالية، وفرض عليها إعادة جدولة تقنين المياه بما يخص محافظة دمشق وريفها، لكنه لم يُعلن بعد.
وتزداد المخاوف تباعاً مع انخفاض نسبة المياه في السدود، إضافة إلى دخول سوريا فصل الصيف، وهذا يهدد الأمن المائي والغذائي.
وأوضح مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي في وزارة الزراعة الدكتور سعيد ابراهيم أن للهطول المطري المنخفض هذا العام الأثر الواضح في مخزون السدود؛ إذ شكّل تخزين السدود الأعظمي العام الحالي 50% مقارنة بالعام السابق، إضافةً إلى الأثر الواضح في انخفاض مناسيب المياه الجوفية، سيما في ظل الاستجرار الجائر للاستخدامات المختلفة.
وأشار ابراهيم إلى أن معدلات الهطولات المطرية في الموسم الحالي 2024-2025م متدنية ولم تصل إلى المعدل السنوي، سيما في المناطق الشرقية والشمالية؛ إذ كان أعلى معدل هطول مطري تراكمي في محافظة اللاذقية، تليها محافظة طرطوس، وأدناها في محافظات السويداء وريف دمشق ودير الزور.
وبإحصائيات وصفها الدكتور بالتقريبية جداً؛ إذ بلغ معدل الهطل لأكثر من 90% من الأراضي أقل من 350 مم، مشيراً إلى انخفاض مخزون المياه بنسبة تتجاوز 60% مقارنة بالمواسم السابقة.
وأضاف الدكتور ابراهيم أن مخزون السدود المائي في شهر آذار من عام 2025م انخفض انخفاضا كارثيا مقارنة بعامي 2023م و2024م، وأشد المحافظات تأثراً -ويعد التأثر مؤشراً خطِراً جداً- هي محافظة درعا؛ إذ تبلغ طاقة السدود التخزينية فيها نحو 86 مليون م³ وحالياً لا تتجاوز 3 ملايين م³.
وكشف مدير الاقتصاد والتخطيط الزراعي أن مستوى المياه الجوفية تراجع تراجعاً حاداً؛ إذ فقدت بعض المناطق أكثر من 70% من مخزونها في الأعوام الأخيرة، منوهاً بأن نسبة التصحّر والجفاف وصلت إلى أكثر من 50% في بعض المناطق الزراعية الحساسة.
وشدد الدكتور على أن انخفاض كميات المياه التي تعتمد عليها الزراعة اعتمادا كبيرا، يستدعي التخطيط لتخفيض المساحة المزروعة في الموسم الصيفي القادم تخفيضا كبيرا.
وعن تأثير انخفاض نسبة المياه في سوريا، قال الدكتور ابراهيم: "لن تقتصر آثار الجفاف على نقص المياه؛ بل ستمتد لتشمل القطاع الزراعي بأكمله، وتتمثل هذه الآثار في انخفاض إنتاج المحاصيل الزراعية، وبالتالي سيؤثر تأثيراً مباشراً في الأمن المائي والغذائي".
وكشف الدكتور في وزارة الزراعة أن للتغيرات المناخية أثراً في انخفاض تقديرات إنتاج محصول القمح، نظراً إلى خروج معظم المساحات البعلية من التقديرات، إضافة إلى تضمين جزء منها للرعي "لم تصل إلى مرحلة الحصاد بسبب ضعف نمو النباتات"، وبالتالي فإن الإنتاج المقدر يغطي 19% من الاحتياج، أي أن هناك عجزاً في تأمين احتياجات السكان بما يقارب 80%.
وعن الخطة الزراعية هذا الموسم، أشار الدكتور ابراهيم إلى أنه ونظراً إلى انخفاض مستوى مخازين السدود في المحافظات كافة انخفاضاً كبيراً مقارنة بمخازينها في المرحلة نفسها من العام الماضي، تمت إعادة النظر في خطة الزراعات الصيفية وتعديلها، ليتم تخفيض المساحة المخططة بمقدار (18781 هكتار زراعات رئيسية صيفية ــــ 3645 هكتار زراعات صيفية تكثيفية) منها لمحصول البندورة (عروة صيفية) 1200 هكتار، وبالتالي خروج 75 ألف طن من الإنتاج، فإن هذا الأمر سيؤثر تأثيرا مباشرا في الكميات المصدرة من المادة.
وعموماً سيكون هناك انخفاض في تنفيذ خطة الزراعات الصيفية، وهذا سيؤدي إلى انخفاض العرض وارتفاع الأسعار.
وعن سؤالنا فيما يخص المستقبل الزراعي في ظل نقص المياه في سوريا، لفت إلى أن القطاع الزراعي يستهلك نحو 88% من الموارد المائية بالمقارنة مع 9% للشرب و3% للقطاعات الأخرى، وهذا يستوجب التوجه لترشيد الاستخدام في هذا القطاع؛ إذ تطبق وزارة الزراعة بالتنسيق مع الهيئة العامة للموارد المائية عدداً من الحلول بهدف الحفاظ على استدامة المياه بتوجيه الخطط الزراعية نحو الزراعات الملائمة لندرة الموارد المائية المتاحة، أي الزراعات ذات العائد الاقتصادي الجيد والتي تحتاج إلى مياه أقل.
وأضاف الدكتور أيضاً تأمين مصادر بديلة لمعالجة مياه الصرف الصحي والصناعي قبل صرفها إلى المجاري المائية، وذلك لاستخدامها في الري الزراعي مصدراً إضافياً وحماية الموارد المائية من التلوث، واستمرار دعم التحول إلى منظومة الري الحديث الذي يوفر نحو 50% من مياه الري مقارنة بأساليب الري التقليدي، ويرفع كفاءة الاستخدام إلى نحو 90%.
ومن الحلول المطروحة بحسب مدير الاقتصاد، نشر ثقافة الري الجماعي والتشاركية في مجال استخدام المياه بتشكيل جمعيات مستخدمي المياه للاستخدام التشاركي الأمثل للموارد المائية بفعالية تضمن رفع كفاءة استخدام المياه، ومراقبة كميات المياه المستجرة.
إضافة إلى استمرار تنفيذ مشاريع حصاد المياه بإنشاء السدود والسدات المائية والحفائر والخزانات لمختلف الأغراض (شرب، وري، ودرء فيضان ...) إذ تعمل الهيئة العامة للموارد المائية حالياً لإنشاء 3 سدود هي "برادون" و"فاقي حسن" في محافظة اللاذقية، و"البلوطة" في محافظة طرطوس، ويتم العمل لإنشاء 6 سدات مائية في اللاذقية وطرطوس وحماة وحمص، وهناك عدد من السدات المائية المدروسة وجاهزة للتنفيذ وفق خطة الهيئة العامة للموارد المائية، كما تعيد الهيئة ضمن خطتها الاستثمارية تأهيل عدد من المشاريع الخارجة عن الخدمة، وهذا يساهم في إحياء الأراضي الزراعية.


