هاشتاغ - متابعة
في وقت متأخر من ليل الجمعة السبت 19 تموز أعلن المبعوث الأمريكي إلى سوريا توماس براك التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في السويداء بين الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بدعم من دول الجوار، ما أفسح المجال أمام تجنب حمام دم لم تشهده سوريا من قبل.
وجاء إعلان براك عن الاتفاق في وقت كانت حشود من آلاف المقاتلين من عشائر البدو السورية قد تجمعت على مدى يومين على تخوم محافظة السويداء مهددة باجتياح المحافظة وتطهيرها من الفصائل الدرزية المقاتلة بعد انسحاب قوات وزارة الدفاع السورية والأمن الداخلي بعد اتفاق مع المشايخ والفصائل الدرزية في 16 تموز الجاري، إثر غارات إسرائيلية استهدفت مقر هيئة الأركان السورية في ساحة الأمويين وتدميرها إضافة إلى محيط القصر الرئاسي بدمشق.
وبحسب ما أعلن براك فإن الاتفاق يدعو البدو والدروز إلى "إلقاء السلاح والانخراط في جهود بناء هوية سورية موحدة بالتعاون مع باقي مكونات المجتمع السوري"، وهذا الاتفاق هو الثالث منذ بدء الاشتباكات في 12 الشهر ولكن لم يكتب لأي منها النجاح حتى اليوم.
الرئاسة الروحية للدروز تمد يدها
دعت الرئاسة الروحية للمسلمين الموحدين الدروز "للاحتكام لإنسانيتنا" مؤكدة" نمد يدنا للتعامل مع كل إنسان شريف لإنهاء الاشتباكات الحالية ووقف إطلاق النار والاحتكام لصوت العقل والحكمة والإنسانية لا للسلاح والفوضى."
وقالت في بيان نشرته على صفحتها على فيس بوك "لم يكن أبناء الطائفة المعروفية دعاة تفرقة او فتنة وإنما كانوا وعلى مدار التاريخ نبراساً في الإنسانية والتآخي وطالما كان الجبل ملجأ لكل مظلوم وخائف".
الرئاسة السورية تدعو لضبط النفس
دعت الرئاسة السورية مساء الجمعة 18 تموز "جميع الأطراف إلى ضبط النفس وتغليب صوت العقل" وأكدت أنها "تبذل جهوداً حثيثة لإيقاف الاقتتال وضبط الانتهاكات التي تهدد أمن المواطنين وسلامة المجتمع" من خلال "إرسال قوة متخصصة لفض الاشتباكات وحل النزاع ميدانياً، بالتوازي مع إجراءات سياسية وأمنية تهدف إلى تثبيت الاستقرار وضمان عودة الهدوء إلى المحافظة في أسرع وقت".
أيضا خرج مجلس الإفتاء الأعلى في سوريا مساء الجمعة بتحريم الخيانة والاستعانة على الدولة بالعدو الصهيوني المحتل الغادر، وحرمة قتل الأطفال والنساء، وحرمة العدوان على المدنيين والضعفاء، وإخراجهم من ديارهم، من أي طائفة كانوا، إلى جانب واجب الدولة شرعاً بحماية جميع المواطنين بلا تمييز، وبسط الأمن، ومنع الفتنة، وردع المعتدين، وإغاثة المنكوبين والمهجرين، من أي طائفة كانوا.
هذه التحركات وإن جاءت متأخرة، لكنها ضرورية لوقف شلال الدم النازف في جنوب البلاد وتجنيبها الدخول في حرب مع "اسرائيل" التي تعهدت "بحماية الدروز" ومنع أي هجوم سواء من الجيش السوري أو من فصائل البدو والعشائر من الدخول إلى المحافظة.
الأمم المتحدة: سوريا على مفترق خطير
حذرت الأمم المتحدة، مؤخراً، من أن تجدد أعمال العنف الطائفي في سوريا يضع البلاد التي مزقتها الحرب على مفترق طرق خطير ويحطم آفاق السلام ويغذي عدم الاستقرار الإقليمي على نطاق أوسع وذلك في خضم الهجمات ضد محافظة السويداء جنوب البلاد وحشد مسلحي فصائل البدو والقبائل العربية آلاف المقاتلين على مشارف المحافظة.
وخلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن الدولي يوم الخميس 17 تموز رسم مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، خالد الخياري صورة قاتمة للوضع في سوريا قائلاً: "مئات الضحايا بين الجنود والمدنيين - بمن فيهم النساء والأطفال وكبار السن - إلى جانب تقارير عن نزوح جماعي، وهجمات على البنية التحتية، والمستشفيات وسط انقطاع الكهرباء والمياه".
وعقد المجلس اجتماعاً طارئاً بدعوة من الجزائر رئيس المجموعة العربية في المجلس على خلفية الغارات الإسرائيلية التي استهدفت مبنى قيادة أركان الجيش السوري في ساحة الأمويين ومحيط القصر الرئاسي، وغيرها من الغارات التي استهدفت قوات وزارة الدفاع السورية والأمن الداخلي تحت عنوان "حماية الدروز" والضغط على السلطات السورية لسحب قواتها من السويداء.
وأضاف الخياري أمام المجلس بأنه "هناك تقارير مثيرة للقلق عن تعرض مدنيين ورجال دين ومعتقلين لعمليات إعدام خارج نطاق القضاء ومعاملة مهينة للكرامة" موضحاً أن أعمال الانتقام العنيفة والنهب إلى تدمير الأملاك وزيادة حدة الخوف والغضب, وحث جميع الأطراف على حماية المدنيين والبنية التحتية المدنية.
تسلسل الأحداث وأعمال التصعيد
١٢ تموز/ يوليو: بدأت سلسلة من عمليات الخطف المتبادل في السويداء تطورت إلى اشتباكات مسلحة بين قبائل بدوية وجماعات مسلحة درزية.
١٤ تموز/ يوليو: بعد تفاقم الاشتباكات، بدأت قوات الأمن السورية تنتشر "لوقفها" و"استعادة النظام"، وفق بيانات الداخلية والدفاع السورية، لكن العملية لم تسر كما يجب إذ جرت اشتباكات بين القوات الحكومية والفصائل الدرزية وقع خلالها عدد من القتلى من الطرفين، فيما تحدثت تقارير عن انتهاكات نفذتها القوات الحكومية ضد المدنيين مع دخولها إلى السويداء.
وبعد انتشار لقطات مصورة لعمليات انتهاكات ضد الدروز، اشتدّت الاشتباكات، مخلفةً مئات القتلى والجرحى في صفوف قوات الأمن والمقاتلين الدروز، كما أُبلغ عن إصابات بين المدنيين الدروز والبدو، بينهم نساء وأطفال وكبار في السن، بحسب موقع الأمم المتحدة. وتصاعدت حدة الخطاب الطائفي على مواقع التواصل الاجتماعي.
15-16 تموز/ يوليو: تجمع مئات الدروز من الجولان السوري المحتل وسوريا على جانبي خط وقف إطلاق النار، بحضور قوات الجيش الإسرائيلي، معربين عن تضامنهم مع الدروز في السويداء.
تدخل إسرائيل بغارات جوية على دمشق والسويداء
في ظل هذه الأوضاع المتوترة أعلنت "إسرائيل" أنها لن تسمح لسلطات دمشق بفرض سيطرتها على السويداء وتعهدت "بحماية" الدروز، فشنت ضربات تصاعدية بعد أن رفضت دمشق الإنذارات الإسرائيلية وتوجت تلك الضربات بغارات غير مسبوقة يوم 16 تموز/ يوليو، استهدفت مقر قيادة الأركان العامة في ساحة الأمويين وسط دمشق ومحيط القصر الرئاسي.
وفي إحاطته أمام مجلس الأمن الدولي اعتبر الخياري أن تلك الغارات "تقوّض الجهود المبذولة لبناء سوريا جديدة تعيش في سلام مع نفسها ومع المنطقة، وتزيد من زعزعة استقرارها في وقت حساس".
وحثّ كلاً من إسرائيل وسوريا على الالتزام باتفاقية فض الاشتباك لعام ١٩٧٤ و"الامتناع عن أي عمل من شأنه أن يزيد من تقويضها والاستقرار في الجولان".
التداعيات الإنسانية
أدت الاشتباكات المتواصلة وفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، إلى انقطاعات حادة في طرق الإمداد لتقديم المساعدات الإنسانية للسكان المدنيين، حيث يُعيق انعدام الأمن وإغلاق الطرق إيصال المساعدات مشيرة إلى أن منظمة الصحة العالمية التابعة للأمم المتحدة أرسلت إمدادات إلى درعا، لكن طرق الإمداد إلى السويداء لا تزال مقطوعة.
ودعا مساعد الأمين العام للأمم المتحدة الأطراف المتحاربة إلى إتاحة إيصال المساعدات الإنسانية، ودعا دمشق إلى ضمان أن تكون أي تحقيقات في الانتهاكات المزعومة "شفافة ومتوافقة مع المعايير الدولية".
تقارير موثوقة عن عمليات إعدام
أعلن المفوض السامي لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة فولكر تورك بأن مكتبه تلقى تقارير موثوقة تشير إلى انتهاكات واسعة النطاق، بما في ذلك عمليات إعدام بإجراءات موجزة وقتل تعسفي، خلال أعمال العنف الأخيرة في مدينة السويداء الجنوبية.
وقال تورك في بيان له بأن "من بين الجناة المزعومين أفراد من قوات الأمن وأفراد تابعين للحكومة المؤقتة، بالإضافة إلى عناصر مسلحة محلية من الدروز والبدو" داعياً إلى "وقف سفك الدماء والعنف"، و محاسبة المسؤولين عنها.
أكثر من 600 قتيل ونزوح 2000 عائلة
أفادت التقارير بمقتل ما يقرب من 600 شخص منذ اندلاع الاشتباكات الطائفية بين المجموعات والفصائل الدرزية وقبائل بدوية في المحافظة يوم الأحد، وبالرغم من إعلان وقف إطلاق النار 16 الشهر الجاري، ماتزال الأنباء تتوارد عن وقوع قتلي في اشتباكات بين مقاتلين من البدو والدروز غرب مدينة السويداء.
في غضون ذلك، حذر مكتب الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية من أن ما يقرب من 2000 عائلة لا تزال نازحة بسبب العنف، وأن انعدام الأمن وإغلاق الطرق يحولان دون وصول المساعدات الإنسانية والطبية إلى السويداء.
ووفقًا لتورك، وثّق مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان عمليات قتل غير مشروعة لما لا يقل عن 13 شخصاً في 15 يوليو/تموز، عندما "أطلق مسلحون تابعون للسلطات المؤقتة النار عمداً على تجمع عائلي" مضيفاً أنه في اليوم نفسه، أفادت التقارير أنهم "أعدموا ستة رجال بإجراءات موجزة بالقرب من منازلهم في حادثين منفصلين".
وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان، مساء الخميس، أنه وثّق مقتل ما لا يقل عن 594 شخصاً خلال أعمال العنف منهم 300 فرد من الأقلية الدرزية، بينهم 146 مقاتلاً و154 مدنياً، 83 منهم "أُعدموا بإجراءات موجزة" على يد عناصر من قوات وزارتي الداخلية والدفاع.
وأضاف المرصد أن ما لا يقل عن 257 مقاتلاً حكومياَ و18 مقاتلاً بدوياً قُتلوا أيضاً، بينما قُتل ثلاثة مدنيين بدو بإجراءات موجزة على يد مقاتلين دروز.
من جهتها كشفت المتحدثة باسم مكتب المفوض السامي لحقوق الإنسان، رافينا شمدساني، عن تقارير "موثوقة" بخصوص "انتهاكات وتجاوزات واسعة النطاق، بما في ذلك عمليات إعدام بإجراءات موجزة وقتل تعسفي واختطاف وتدمير ممتلكات خاصة ونهب منازل" في مدينة السويداء.
المصالحة الحقيقية مدخل لتحقيق الأمن والاستقرار
جدد الأمين العام المساعد للأمم المتحدة دعوة مجلس الأمن إلى عملية سياسية شاملة ذات ملكية سورية بموجب القرار 2254، محذراً في الوقت ذاته من أن "الأمن والاستقرار في السويداء، بل وفي سوريا ما بعد الأسد، لا يمكن تحقيقهما إلا من خلال مصالحة حقيقية وبمشاركة جميع مكونات المجتمع السوري المتنوع".
وحثّ جميع الأطراف السورية المعنية على الالتزام بالحوار، مؤكداً دعم الأمم المتحدة لانتقال سياسي شامل وذي مصداقية يضمن المساءلة، ويعزز التعافي الوطني، ويرسي أسس تعافي سوريا وازدهارها على المدى الطويل.


