هاشتاغ - حسن عيسى
لم تكتمل فرحة عائلة "طرابلسي" بطفلها الذي جاء بعد خمس سنوات من الانتظار. فبينما كانت الأم تتعافى من آثار الولادة القيصرية في أحد المشافي الخاصة، كان وليدها يلفظ أنفاسه الأخيرة في قسم الحواضن بمشفى بانياس الوطني، تاركاً خلفه عائلة مفجوعة، وإضبارة طبية مغلقة، وأسئلة معلقة بلا إجابات.
قضية الطفل، الذي توفي بعد أقل من 48 ساعة على ولادته، تفتح مجدداً ملف "الثقة المفقودة" بين المواطن والقطاع الصحي الحكومي، ليس بالضرورة بسبب "الأخطاء الطبية" فحسب، بل بسبب "غياب الشفافية" وفشل إدارة التوقعات الذي يحول المصاب الجللي إلى شعور بالخديعة.
البداية.. "مجرد زلة تنفسية"
بدأت القصة يوم 26 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، حين وضعت السيدة (س. الأمير - 42 عاماً) مولودها في مشفى خاص بمدينة بانياس.
وبحسب رواية "م. الأمير" (خال الطفل)، والذي كان متابعاً لحالته، أكد الكادر الطبي أن الوليد بصحة جيدة. لكن بعد ساعات قليلة، طُلب تحويله إلى مشفى بانياس الوطني لوجود "مفرزات وزلة تنفسية بسيطة"، مع تطمينات للأهل بأن الأمر روتيني و"سيعود لحضن أمه خلال ساعات".
هذه التطمينات كانت "المخدر" الذي جعل وقع خبر الوفاة في اليوم التالي صاعقاً. يقول الخال في حديثه لـ"هاشتاغ": "سلمناهم طفلاً قالوا إن مشكلته بسيطة، لنتفاجأ بطلب أكياس دم وإبر تخثر، ثم خبر الوفاة. كيف تدهورت الحالة بهذه السرعة؟ ولماذا لم يصارحونا منذ البداية؟".
من جهته، يتحدث والد الطفل "ل. طرابلسي" بغصة من يحاول استيعاب الصدمة، مؤكداً أن العائلة لا تسعى لتوجيه اتهامات عشوائية، بل تطلب توضيحاً يشفي الغليل.
ويقول الأب في حديثه لـ"هاشتاغ": "زوجتي لم تجف دمعتها حتى الآن.. سلمناهم طفلاً قيل لنا إن حالته تستدعي المراقبة فقط، لنستلم جثمانه في اليوم التالي. لا نريد أن نظلم أحداً، لكن ما حدث غير منطقي، كيف ينتهي أمر 'زلة تنفسية' بوفاة كاملة دون أن يكلف أحد خاطره بشرح الأسباب الحقيقية لنا؟".
الوثائق تتحدث.. الحقيقة كانت في "المختبر"
حصلت "هاشتاغ" على نسخة من التقرير الطبي ووثائق شعاعية (صور أشعة) للطفل، تكشف واقعاً طبياً متبايناً لما قيل للأهل شفهياً.
وتظهر الوثائق أن الطفل وصل إلى المشفى الوطني بحالة حرجة طبياً، حيث سجلت التحاليل لحظة القبول أرقاماً تنذر بالخطر، وفقاً لما يلي:
- مؤشر الإنتان (CRP): بلغ 54 (معدل مرتفع جداً يشير لعدوى حادة).
- الصفيحات الدموية (PLT): انخفضت إلى 41,000 فقط (الحد الطبيعي يتجاوز 150,000)، مما يفسر النزيف اللاحق وحاجة الطفل الماسة للدم والبلازما.
- التشخيص الأولي: تضمن "فرط التوتر الرئوي الجنيني" (PPHN)، وهي حالة خطرة تمنع الدم من التأكسج، ترافقت مع زرقة ونقص أكسجة.
وتؤكد هذه الأرقام، بحسب المعطيات الطبية، أن الطفل كان يصارع "إنتاناً دموياً" و"قصوراً تنفسياً" منذ لحظة دخوله، وهو ما يطرح علامة استفهام كبرى حول سبب إخفاء هذه "الصورة القاتمة" عن الأهل.
علامات خطورة في حالة الطفل!
في محاولة لاستجلاء الحقيقة من جميع الأطراف، تواصلنا مع الدكتورة (ج. ا)، المشرفة على الحالة في المشفى الخاص قبل التحويل، والتي أوضحت لـ"هاشتاغ" أن الحالة لم تكون "وردية" كما ظن الأهل.
وأشارت الطبيبة إلى "عوامل خطورة" رافقت الحمل، منها عمر الأم (42 عاماً) وإصابتها بارتفاع ضغط شرياني أثناء الحمل، فضلاً عن صلة قرابة من الدرجة الأولى بين الزوجين، مؤكدة أن الطفل أبدى علامات "ضائقة تنفسية" بعد ساعتين من الولادة لم تستجب للأكسجين العادي، مما استدعى تحويله فوراً لعناية مركزة تخصصية.
الصور الشعاعية.. توثيق الانهيار السريع
حصلنا أيضاً في "هاشتاغ" على صور أشعة لصدر الطفل، تُظهر بوضوح التدهور الدراماتيكي خلال أقل من 24 ساعة.
فبينما أظهرت الصورة الأولى (يوم الدخول) رئتين بتهوية مقبولة نسبياً، كشفت الصورة الثانية (يوم الوفاة) ما يعرف طبياً بـ "الرئة البيضاء" (Whiteout)، وهو ما يتطابق مع تقرير المشفى الذي ذكر حدوث "نزيف رئوي صاعق" أدى لتوقف القلب والوفاة أثناء محاولة الإنعاش وإعادة التنبيب.
أسئلة برسم "الصحة"
حاولنا في "هاشتاغ" التواصل مراراً مع إدارة مشفى بانياس الوطني، للوقوف على رأيهم في التناقض بين "تطمينات الاستقبال" و"كوارث التحاليل"، وللاستفسار عن سبب رفض تسليم الأهل صورة كاملة عن إضبارة طفلهم، إلا أننا لم نلقَ أي استجابة أو توضيح حتى لحظة نشر هذا التقرير.
اليوم، لا تطالب عائلة "طرابلسي" بالمستحيل، بل بحقها في معرفة "ماذا حدث في الساعات الأخيرة؟". هل كان الإنتان الدموي ملتقطاً من المشفى الخاص أم الحكومي؟ وهل كان بالإمكان إنقاذ الكفل لو شُخّصت الخطورة بدقة أكبر وتمت مصارحة الأهل بها فوراً بدلاً من تركهم عرضة للصدمة؟
تنويه
تحتفظ "هاشتاغ" بجميع الوثائق الطبية والتسجيلات والصور الشعاعية التي استند إليها هذا التحقيق، وتؤكد أن حق الرد مكفول لإدارة مشفى بانياس الوطني ومديرية صحة طرطوس متى شاؤوا التوضيح.


