هاشتاغ
بحث

هكذا أنضجت واشنطن اتفاق اندماج "قسد" في جسد الدولة السورية

19/01/2026

واشنطن

شارك المقال

A
A

هاشتاغ - خاص


تشير تطورات المشهدين الميداني والسياسي في سوريا إلى أن مساراً دولياً متدرجاً كان يُحضَّر لإعادة دمج مناطق شمال وشرق البلاد ضمن سلطة الدولة السورية المركزية، وإنهاء حالة الانقسام التي فرضتها سنوات الحرب. وقد كشفت الاشتباكات التي اندلعت في حيَّي الشيخ مقصود والأشرفية ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب ملامح هذا المسار، موحيةً بأن تسوية دولية يجري إنضاجها أساسها بسط سلطة دمشق على كامل الجغرافيا السورية، مع منح الأكراد السوريين حقوقاً ثقافية ولغوية وسياسية ضمن إطار الدولة الواحدة، من دون الذهاب نحو إدارة ذاتية أو نزعة انفصالية.

من الميدان إلى السياسة.. انكشاف المواقف الدولية

أدى تتابع الأحداث، بدءاً من اتفاق أحياء حلب، مروراً بعملية غرب الفرات في دير حافر ومسكنة، إلى انكشاف المواقف الدولية، ولاسيما الموقف الأمريكي. فعلى الرغم من سنوات الدعم التي قدّمتها واشنطن لقوات سوريا الديمقراطية "قسد"، وإشادتها بدورها في محاربة تنظيم "داعش"، فإن هذا الدعم ارتبط بوظيفة محددة تمثلت في استنزاف النظام السابق اقتصادياً، بحرمانه من الموارد الحيوية التي تزخر بها الجزيرة السورية، من نفط وغاز ومياه وكهرباء، إضافة إلى القمح والقطن، بما يضعف قدرته على الصمود من الداخل.


غير أن التحولات الميدانية والسياسية أظهرت أن هذا الدور انتهى مع سقوط نظام الأسد، وأن واشنطن بدأت تعيد تقييم خياراتها بما ينسجم مع مصالحها الاستراتيجية الأوسع في المنطقة، والتي باتت ترى في إعادة توحيد السلطة في دمشق خياراً أكثر استقراراً وجدوى.

قسد".. رهان لم يكتمل

راهنت قوات سوريا الديمقراطية على استمرار الدعم الأمريكي بوصفه مدخلاً لتحصيل حقوق الأكراد السياسية والثقافية والاجتماعية والإدارية ضمن إطار الإدارة الذاتية لمناطق شمال وشرق سوريا. وقدّمت هذه الإدارة نفسها نموذجاً للمشاركة السياسية والتعددية، عادّة أن السلطة المركزية في دمشق يمكن أن تستفيد من هذه التجربة.


وفي هذا السياق، طالبت "قسد" بأن يتم اندماجها في الجيش والداخلية السوريتين بشكل كتل أو فرق عسكرية متماسكة، استناداً إلى ما تمتلكه من تنظيم وخبرة قتالية. لكن هذه الطروحات سرعان ما تراجعت مع التحول التدريجي في الموقف الأمريكي، الذي انتقل من الاعتماد على "قسد" بوصفها حليفاً محلياً، إلى تبني السلطة المركزية في دمشق بوصفها شريكاً أوسع قدرة على تحقيق المصالح الأمريكية.

واشنطن وإعادة التموضع

اتخذ الموقف الأمريكي منحى أكثر وضوحاً مع كل جولة اشتباكات أو مسار تفاوضي بين "قسد" ودمشق. فقد عبّر المبعوث الأمريكي إلى سوريا، توماس باراك، عن دعمه المتزايد للقيادة السورية الانتقالية، مشيداً برئيس المرحلة الانتقالية في سوريا أحمد الشرع بوصفه شريكاً في محاربة تنظيم "داعش"، وفي توحيد سوريا ونقلها من الفوضى إلى الاستقرار، وتحويلها من مصدر تهديدات إقليمية إلى عنصر فاعل في استقرار المنطق

ة.

اتفاق الشيخ مقصود.. جرس إنذار

شكّل اتفاق وقف إطلاق النار في حي الشيخ مقصود وما تبعه من خروج قوات "قسد" إلى منطقة الطبقة، مؤشراً بالغ الدلالة على تبدل موازين القوى. فقد مثّل ذلك جرس إنذار لقائد "قسد" مظلوم عبدي بأن التحالفات تتغير، وأن عليه المبادرة إلى التفاهم مع دمشق وفق الشروط التي ترعاها واشنطن، وبالتنسيق الواضح مع أنقرة، التي أدت دوراً أساسياً في تقييم أي اتفاق محتمل وفق مصالحها الاستراتيجية المرتبطة بالوضع السوري.


ومع تقدم القوات الحكومية نحو دير حافر ومسكنة في ريف حلب الشرقي، غرب نهر الفرات، بدأت "قسد" تتحدث عن خرق دمشق للاتفاقات والتفاهمات الدولية، غير أن هذه التحركات لم تكن لتتم لولا ضوء أخضر أمريكي أُعطي في الكواليس السياسية. وسرعان ما توسعت رقعة التطورات لتصل إلى مشارف الرقة ودير الزور.

العشائر العربية.. الدور غير المعلن

بالتوازي مع ذلك، كانت العشائر العربية في شرق الفرات تستعد للتحرك بالتنسيق مع السلطة المركزية في دمشق. وتشير المعطيات إلى أن هذا التنسيق تم بسرية تامة لتجنب تحميل الحكومة السورية مسؤولية خرق الاتفاق الذي رعته واشنطن، والذي كان يقضي بالوصول إلى الضفة الغربية لنهر الفرات ثم الذهاب إلى مفاوضات لتطبيق اتفاق العاشر من آذار.


غير أن تحرك العشائر وسيطرتها على مساحات واسعة شرق الفرات أفقد "قسد" أوراقاً تفاوضية مهمة، أبرزها السيطرة على مدينتي الرقة ودير الزور، إضافة إلى مصادر المياه الحيوية مثل سد الفرات وسد المنصورة، فضلاً عن آبار النفط والغاز.

اتفاق الاندماج.. الشروط الجديدة

في خضم هذه التطورات، صاغ توماس باراك اتفاقية جديدة لدمج "قسد" ضمن الدولة السورية، بشروط تصب في مصلحة السلطة المركزية التي باتت تحظى بدعم واشنطن. وقد حمل باراك الاتفاق موقعاً من مظلوم عبدي إلى دمشق؛ إذ وقّعه الرئيس أحمد الشرع، ليُعلن رسمياً من العاصمة السورية.


ونصّت الاتفاقية على وقف شامل لإطلاق النار، وتسليم محافظتي دير الزور والرقة إدارياً وعسكرياً للحكومة السورية، ودمج المؤسسات المدنية في الحسكة ضمن هياكل الدولة، واستلام دمشق كامل المعابر وحقول النفط والغاز، مع دمج عناصر "قسد" فردياً ضمن وزارتي الدفاع والداخلية، من دون الإبقاء على تشكيلات مستقلة. وسبق ذلك مرسوم تشريعي يعترف باللغة الكردية لغة وطنية، ويقر عيد النوروز عيداً وطنياً، ويكفل حقوق الأكراد في الشراكة السياسية.


بهذا الاتفاق، تطوي الولايات المتحدة صفحة تحالفها الخاص مع قوات سوريا الديمقراطية، لتفتح مرحلة جديدة من التحالف مع السلطة المركزية في دمشق، في تحوّل يظهر براغماتية السياسة الأمريكية، التي تعيد باستمرار صياغة تحالفاتها بما يتلاءم مع مصالحها الاستراتيجية، حتى وإن جاء ذلك على حساب حلفاء الأمس.

التعليقات

الصنف

سياسة

منشور حديثاً

الأكثر قراءة

تابعنا

مقالات ذات صلة

يستخدم موقع هاشتاغ والمنصات التابعة له ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك على الموقع، وتقديم محتوى مخصص، وتحليل استخدام الموقع. هل توافق على استخدامنا للملفات لهذه الأغراض؟ يمكنك رفض ذلك، وسنستخدم فقط الملفات الضرورية لتشغيل الموقع.

هاشتاغ بيحكي عنك

مؤسسة إعلامية مستقلة تعنى في مناصرة المواطنين في المنطقة العربية وتمكينهم والدفاع عنهم ونقل أخبارهم وفق المواثيق الأممية والقواعد المهنية

أسّسها محمد محمود هرشو

محمد محمود هرشو

جميع الحقوق محفوظة - Hashtag هاشتاغ © 2015 - 2026