هاشتاغ
شدد الجانب السوري في المفاوضات الإسرائيلية السورية التي أُجريت مؤخراً في باريس، على رفض أي صيغة موسعة لمنطقة منزوعة السلاح، وعلى رفض تقليص السيادة السورية بقواعد أجنبية أو إدخال تقنيات عسكرية متطورة إلى دمشق من أطراف عربية أو إقليمية، بما في ذلك تركيا، مع تأكيد أن أي تفاهم أمني يجب أن يكون أساسه مبدأ السيادة الكاملة، وفق ما كشفه موقع "عربي بوست" نقلاً عن مصدر دبلوماسي عربي.
المصدر أكد أن مداولات النقاش في الجلسات المغلقة دخلت في تفاصيل تقنية-سياسية دقيقة، تجاوزت العناوين العامة، وتركزت على إعادة تفعيل اتفاق فضّ الاشتباك لعام 1974، مع بحث تعديلات عملية تأخذ في الاعتبار التحولات الميدانية التي شهدتها سوريا منذ عام 2011.
كما نوقشت في الجلسة الأخيرة خرائط انتشار القوات، وآليات الرقابة، ودور الأمم المتحدة، مقابل انسحاب إسرائيلي تدريجي من نقاط متقدمة في الجنوب، وخصوصًا في محيط جبل الشيخ.
وشدد الوفد السوري على أن أي صيغة لا تتضمن انسحاباً واضحاً ومحدداً زمنياً ستكون مرفوضة.
وحضرت في الجلسة مسألة الجنوب السوري بقوة وخصوصاً السويداء؛ إذ طالب الجانب السوري بوقف أي تواصل إسرائيلي مباشر أو غير مباشر مع مجموعات محلية.
وعد الجانب السوري -بحسب المصدر- أن استخدام ورقة الحماية أو الانفصال خط أحمر لا يمكن فصله عن الأمن القومي السوري. وفي المقابل، حاول الجانب الإسرائيلي ربط هذه المسألة بما سماه "ضمانات أمنية بعيدة الأمد"، من دون تقديم التزامات مكتوبة.
وتناول النقاش كذلك ملف قوات سوريا الديمقراطية؛ إذ قدم الجانب السوري اعتراضاً مباشرا على أي دعم أو تدريب أو قنوات تواصل معها، وربط هذا الملف بوقف أي استخدام لفلول النظام السابق ورقة ضغط داخلية. وبحسب المصدر، أبدى الجانب الإسرائيلي استعداداً لمراجعة مقارباته السابقة ضمن سلة تفاهمات أوسع.
وقال المصدر إن الجلسة تناولت طرح ملف النفوذ الإقليمي في سوريا؛ إذ شددت دمشق على رفض تحويل الاتفاق الأمني إلى مدخل لإعادة توزيع النفوذ أو فرض وقائع جديدة، وهذا قد نوقش مطولاً في ظل المواكبة التركية-السعودية للمسار.
إلى ذلك، يشير مصدر فرنسي نقلاً عن موقع "عربي بوست" أن الجانب الإسرائيلي أبدى مرونة لافتة في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل في باريس، خصوصًا بعد دخول ويتكوف إلى الخط.
تقديرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية أشارت إلى أن التوصل إلى اتفاق مع سوريا يخدم المصلحة الاستراتيجية لإسرائيل على المدى المتوسط؛ لأنه يفرض إعادة تموضع سوريا مستقبلية ضمن معادلات أكثر قابلية للضبط، بخلاف رهانات بنيامين نتنياهو السياسية التي تميل إلى إدارة الصراع بدل حسمه.
المصدر الدبلوماسي الفرنسي قال إن ترامب أبلغ زعماء عرب وغربيين برغبته بتوقيع سوريا وإسرائيل اتفاق أمنياً قبل منتصف الشهر الحالي وأنه يسعى بكل ما أوتي من قوة إلى تحقيق ذلك.
في سياق متصل، كشف مصدر دبلوماسي عربي مطّلع على جولات المفاوضات السورية الإسرائيلية التي أُجريت في باريس في يومين متتاليين أن اللقاءات لم تكن تقنية "عابرة"؛ بل جاءت نتيجة مسار سياسي إقليمي متكامل، تخللته ضغوط عربية وتركية منسّقة على الإدارة الأمريكية، للدفع باتجاه التوصل إلى اتفاق أمني بين دمشق وتل أبيب يضع حدًا لحالة الاستنزاف الميداني والسياسي المستمرة في جنوب سوريا، ويحدّ من استمرار إسرائيل في عرقلة مسار الاستقرار السوري.
المصدر قال إن عدداً من الدول العربية إلى جانب تركي أبلغت واشنطن بوضوح أن استمرار الوضع القائم في الجنوب السوري لم يعد قابلًا للاحتواء، وأن "ترك المنطقة مفتوحة على الفوضى والاشتباكات المحدودة والمشروعات الانفصالية سيقوّض أي محاولة لإعادة الاستقرار إلى سوريا أو ضبط التوازنات الإقليمية". وهذه الضغوط لم تبقَ في الإطار السياسي النظري؛ بل رافقها حضور إقليمي مباشر على هامش جولات باريس.
المصادر أكدت أن المفاوضات أُجريت بمواكبة تركية - سعودية مباشرة؛ إذ وصل إلى باريس وزير الخارجية التركي هاكان فيدان في توقيت متزامن مع جولات التفاوض، في حين حضر أيضًا مسؤول سعودي رفيع المستوى، في إطار تنسيق غير معلن هدفه تأمين مظلة إقليمية داعمة للمسار الأمريكي، وضمان عدم انحراف المفاوضات نحو ترتيبات تُعيد إنتاج الفوضى أو التقسيم في جنوب سوريا.
ووفق المصدر فإن الدور التركي السعودي لم يكن تدخلياً في تفاصيل المفاوضات؛ بل انحصر في ضبط الإيقاع السياسي والإقليمي، إضافة إلى تأكيد أن أي تفاهم أمني يجب أن يخدم استقرار الدولة السورية، لا فتح مسارات نفوذ جديدة أو تكريس مناطق خارجة عن السيطرة، وفق ما أوضحه مصدر "عربي بوست".
المصادر كشفت أن الجانب السوري نقل إلى الإدارة الأمريكية بوساطة المبعوث الأمريكي توماس باراك، ملاحظات حادة تتعلق بأداء رئيس الوفد الإسرائيلي السابق رون ديرمر، عادّاً أنه لم يُبدِ جدّية حقيقية في مسار المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، وتعامل مع الجولات السابقة بوصفها مساحة مناورة سياسية، بالانقلاب المتكرر على تفاهمات شفهية تم التوصل إليها، وهذا أدى عملياً إلى تعطيل أي فرصة للاتفاق.
هذا التوصيف السوري لاقى صدى داخل الإدارة الأمريكية التي كانت قد سجّلت بدورها ملاحظات مشابهة عن إدارة ديرمر الملف بما يخدم حسابات داخلية إسرائيلية أكثر مما يخدم هدف الوصول إلى تفاهم مستقر، وفق المصدر.
باراك مارس ضغوطاً مباشرة باتجاه تغيير رئيس الوفد الإسرائيلي -بحسب ما قاله المصدر- قبل أن ينتقل هذا الضغط إلى مستوى أعلى مع دخول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخط في أثناء تواصله مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.
وبسبب ذلك، تم تكليف يحيئيل ليتر، سفير إسرائيل في الولايات المتحدة، برئاسة الوفد الإسرائيلي، بمشاركة اللواء رومان جوفمان، السكرتير العسكري لرئيس الوزراء، إضافة إلى ممثلين رفيعي المستوى عن جهازي الشاباك والموساد، في خطوة فسّرها المصدر على أنها محاولة جدّية لإخراج المفاوضات من الحسابات السياسية الضيقة ووضعها في عهدة المؤسسة الأمنية.
ويكشف المصدر أن الإدارة الأمريكية أوفدت إلى دمشق الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM)، الذي أبلغ الوفود أن الرئيس ترامب قرر رفع مستوى الانخراط الأمريكي في هذا المسار، بتكليف ستيف ويتكوف متابعة الملف السوري-الإسرائيلي مباشرة، بهدف الانتقال من إدارة تفاوض مفتوح إلى محاولة إنتاج تفاهم فعلي.
ويؤكد المصدر أن ترامب قد مارس، في أثناء لقائه نتنياهو في أواخر ديسمبر/ كانون الأول 2025، ضغوطاً كبيرة لإقناعه بضرورة التوصل إلى اتفاق أمني مع دمشق، مع طرح تصور أولي لإمكانية البناء لاحقًا على هذا الاتفاق بمقاربات اقتصادية محدودة أو غير معلنة، في حال توفرت الشروط السياسية والأمنية.
ويشير المصدر إلى أن حضور ستيف ويتكوف في اليوم الثاني من المفاوضات غيّر نبرة الجلسات؛ إذ انتقلت من تبادل مواقف عامة إلى نقاش سيناريوهات تنفيذية، تتعلق بتدرج الخطوات، وضمانات الالتزام، وآليات المتابعة الأمريكية، مع تأكيد أن ترامب يريد اتفاقاً
قابلاً للتنفيذ، لا تفاوضاً مفتوحاً بلا أفق.


