هاشتاغ - ترجمة
أكد موقع "ذا ميديا لاين" الأمريكي أن التصعيد الأخير للعنف في حلب خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، يمثل اختباراً جديداً للاتفاقيات الأمنية والسياسية "الهشة" بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقيادة الأكراد.
وشدد: تُبرز الخسائر في صفوف المدنيين في هذا النزاع الحاجة المُلحة للعودة إلى الحوار، وتنفيذ الاتفاق بين الطرفين، وضمان سلامة السكان المدنيين.
وتابع الموقع الأمريكي: بدون حلول سياسية واضحة، ستظل أي تسوية مؤقتة وعرضة للانهيار، مع ما يترتب على ذلك من تداعيات إنسانية وأمنية محتملة على المستويين المحلي والإقليمي.
وأثار النزاع العنيف مخاوف واسعة النطاق من تدهور أمني أوسع في شمال البلاد، فضلاً عن تساؤلات حول استمرار الاتفاق المبرم بين الطرفين في آذار/مارس 2025.
أُجبر عشرات المدنيين على مغادرة منازلهم مؤقتاً وسط قصف وإطلاق نار في أحياء "الشيخ مقصود" و"الأشرفية"، وسط انقطاعات جزئية في الكهرباء والمياه، وتعطل بعض الخدمات الأساسية.
وكشف سكان محليون أن أصوات القصف والطائرات المسيّرة استمرت لساعات، ما دفع عائلات بأكملها إلى الاحتماء داخل المباني أو الفرار إلى مناطق أكثر أماناً.
وأكدت مصادر طبية، استقبالها مصابين مدنيين، بينهم نساء وأطفال، معظمهم جراء الشظايا، في وقت تعاني فيه المرافق الصحية من ضغط متزايد ونقص في بعض الإمدادات الأساسية.
وأعربت فرق الإغاثة الإنسانية المحلية والدولية عن قلقها إزاء موجة نزوح داخلي محتملة في مدينة لم تتعافى بعد من آثار الحرب الممتدة، ما يُفاقم أزمة السكن والصحة. وشهدت بعض المدارس والمستشفيات تعليقاً مؤقتاً للخدمات، بينما حاول السكان تنظيم مراكز إيواء مؤقتة للعائلات النازحة.
إلى ذلك، حذّر أخصائيو الصحة النفسية من أن تجدد العنف قد يُفاقم الصدمات النفسية الموجودة لدى الأطفال والنساء وكبار السن، مشيرين إلى أن التجربة السابقة في حلب تُظهر أن آثار النزاع على الصحة النفسية قد تستمر لسنوات بعد توقف القتال.
وأشارت تقارير محلية أيضاً إلى تعليق مؤقت لبعض الخدمات وتشديد الإجراءات الأمنية حول المناطق المتضررة، وسط مخاوف من اتساع رقعة الاشتباكات داخل المدينة.
كما تعرضت البنية التحتية في حلب لضغوط كبيرة، فقد زاد انقطاع الكهرباء والمياه من صعوبة الحياة اليومية، بينما أُغلقت بعض الطرق الحيوية مؤقتاً لتسهيل تحركات القوات، مما أثر على حركة المدنيين ووصولهم إلى الخدمات الطبية.
الحكومة السورية تسعى لاستعادة السيطرة الكاملة بينما تحاول قوات سوريا الديمقراطية الحفاظ على مكاسبها المحلية مما يجعل المواجهة مرجحة في غياب ضمانات واضحة لكلا الطرفين
انعدام ثقة وانقسامات
صرّح مصدر أمني في الحكومة السورية لـ "ذا ميديا لاين" بأن "القوات الحكومية تعرّضت لهجمات مباشرة من قبل مجموعة تابعة لقوات سوريا الديمقراطية"، معتبراً أن ما حدث "يُمثل خرقاً واضحاً للتفاهمات الأمنية السابقة". وأكد أن "الجيش سيتعامل بحزم مع أي تهديد يستهدف الأمن والاستقرار أو يُعرّض المدنيين للخطر"، وفق تعبيره.
في المقابل، صرّح مصدر في قيادة قوات سوريا الديمقراطية، بأن "القوات الحكومية بدأت التصعيد بقصف الأحياء السكنية"، محملاً دمشق المسؤولية الكاملة عن مقتل المدنيين، بحسب ما نقله الموقع الأمريكي.
وأضاف أن "قوات سوريا الديمقراطية تحتفظ بحقها في الدفاع عن مناطقها وسكانها"، داعياً إلى العودة إلى الحوار وتطبيق التفاهمات السياسية المتفق عليها.
ولاحظ مراقبون محليون ودوليون أن كلا الجانبين يُكثّف خطابه الإعلامي لتعزيز مواقفه قبل استئناف المحادثات، وأن هذا الخطاب المُتصاعد يعكس انعدام ثقة عميقاً وانقسامات مستمرة على أرض الواقع.
الناشط السياسي فراس علي لفت إلى أن ضعف الثقة بين الجانبين، إلى جانب الخلافات حول مستقبل الأمن والنفوذ الإداري، ساهم في هشاشة الاتفاق وجعله عرضة للانهيار عند أول مواجهة ميدانية.
وتابع: قد واجه الاتفاق بين الطرفين تحديات كبيرة منذ البداية، من بينها عدم وضوح الإطار القانوني لتسليم المناطق الحدودية، واختلاف وجهات النظر حول التمثيل السياسي لقوات سوريا الديمقراطية، ونفوذ جهات إقليمية فاعلة كتركيا وإيران والولايات المتحدة، التي تسعى للحفاظ على مصالحها في شمال سوريا.
من جهتها، الناشطة السورية كنانة الكردي قالت لـ "ذا ميديا لاين" إن "ما يحدث في حلب ليس حادثاً أمنياً معزولاً، بل هو انعكاس لأزمة سياسية أعمق تتعلق بإعادة تشكيل موازين القوى والنفوذ في سوريا".
وأضافت: "أي تسوية أمنية لا تقوم على توافق سياسي واضح ستظل مؤقتة وعرضة للانفجار".
وقالت الكردي إن التصعيد "يكشف حدود فعّالية الوساطة الدولية"، موضحة أن "الحكومة السورية تسعى لاستعادة السيطرة الكاملة، بينما تحاول قوات سوريا الديمقراطية الحفاظ على مكاسبها المحلية، مما يجعل المواجهة مرجحة في غياب ضمانات واضحة لكلا الطرفين".
ونقل الموقع الأمريكي عن خبراء آخرين أن العنف الأخير قد يمثل اختباراً جديداً لتوازن القوى في شمال سوريا، إذ إن أي توسع في الصراع قد يفتح الباب أمام تدخل مباشر من جهات إقليمية فاعلة، ويعيد رسم الحدود الفعلية للنفوذ العسكري والسياسي في المنطقة.
كما يحذر المحللون من أن استمرار الاشتباكات سيزيد من تعقيد أي عملية سياسية مستقبلية، بما في ذلك الترتيبات الخاصة بالانتخابات المحلية وتشكيل سلطات محلية مشتركة في المناطق الخاضعة لسيطرة قوات سوريا الديمقراطية.
ومع استمرار الاشتباكات، يحذر المراقبون من أن الفشل في احتواء التوتر قد يؤدي إلى تصعيد أوسع في شمال سوريا، وما يترتب على ذلك من تداعيات أمنية وإنسانية. وقد تشمل موجة النزوح المحتملة مناطق جديدة خارج حلب، في وقت لا تزال المدينة تعاني فيه من آثار الحرب الطويلة.
وتُشكل الأزمة الإنسانية الوشيكة مصدر قلق بالغ، إذ يواجه المدنيون صعوبات متفاقمة في تأمين المأوى والغذاء والخدمات الصحية. ومن المرجح أن تتفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية بين الأطفال والنساء وكبار السن، لا سيما مع استمرار النزاع دون أي آفاق لحل سياسي مستدام.


