هاشتاغ - ترجمة
بحلول مطلع عام 2026، بدا أن سياسة الولايات المتحدة لمكافحة الجهاديين في الشرق الأوسط تشهد تحولاً. فبعد أكثر من عقدين من الاعتماد بشكل أساسي على شركاء من خارج الدولة لمواجهة التهديدات الجهادية، كشفت واشنطن عن احتمال تحوّلها نحو استراتيجية بقيادة الدولة.
برزت سوريا كمثال رئيسي على هذا التغيير. لسنوات، اعتمدت الولايات المتحدة على قوات سوريا الديمقراطية "قسد" بقيادة الأكراد وبمشاركة القبائل العربية - كشريكها العملياتي الرئيسي ضد تنظيم "داعش".
مع توغل قوات الحكومة السورية خلال كانون الثاني/يناير في مناطق كانت تسيطر عليها "قسد" سابقاً في شمال شرق البلاد، أشارت الرسائل السياسية الأمريكية بشكل متزايد إلى نقل مسؤولية أكبر عن احتواء "داعش" إلى دمشق.
وقد أوضح المبعوث الأمريكي توم باراك هذا التحوّل، قائلاً إن دور "قسد" الأساسي كقوة رئيسية لمكافحة "داعش" قد "انتهى إلى حد كبير"، وأن مؤسسات الدولة السورية ستتحمل بشكل متزايد مسؤولية منع عودة التنظيم.
وبحسب معهد "نيو لاينز" البحثي، يُعدّ هذا التحوّل بالغ الأهمية لأنّ التهديد الأساسي لتنظيم "داعش" في سوريا لم يعد مرتبطاً بالسيطرة على الأراضي. فاستراتيجية التنظيم في مرحلة ما بعد الخلافة تتمحور حول شبكات لا مركزية تعمل على استغلال الفرص التي تُتيحها الفراغات الإدارية.
لذا، فإنّ السؤال ليس ما إذا كانت السلطات السورية قادرة على قمع نشاط "داعش" على المدى القريب، بل ما إذا كان بإمكان نهج أمريكي أكثر تركيزاً على الدولة - يُطبّق في ظل حالة من الغموض السياسي - أن يمنع عودة التنظيم إلى الظهور دون تكرار الإخفاقات التي مكّنته من الصعود بعد عام 2014.
يكمن جزء من الدافع وراء اعتبار الدولة السورية فاعلاً محتملاً لمواجهة "داعش" في خلفية نخبتها الحاكمة الجديدة
استراتيجية الوكلاء
منذ هجمات 11 أيلول/سبتمبر، اعتمدت السياسة الأمريكية لمكافحة الجهاديين باستمرار على شركاء من خارج الدولة لمواجهة التهديدات المسلحة، وغالباً ما كان ذلك يحقق أثراً تكتيكياً فورياً، لكنه يفتقر إلى الاستدامة السياسية. ففي أفغانستان، على سبيل المثال، عملت واشنطن من خلال التحالف الشمالي (الجبهة الإسلامية المتحدة لإنقاذ أفغانستان) على تفكيك حكم طالبان، إلا أنه بعد عقدين من الزمن، عادت طالبان إلى السلطة، مما يؤكد هشاشة الانتصارات المبنية على ترتيبات تتمحور حول الميليشيات.
وفي العراق، تنقلت الولايات المتحدة بين عدة شركاء من خارج الدولة لمواجهة التهديدات الجهادية المتتالية. لعبت الميليشيات الشيعية ومجالس الصحوة السنية أدواراً حاسمة في مواجهة تنظيم "القاعدة" في العراق، إلا أن المظالم العالقة وتشتت السلطة مكّنا تنظيم "داعش" لاحقاً من السيطرة على مناطق واسعة ذات أغلبية سنية في عام 2014. واتبعت الحملة ضد التنظيم نمطًا مشابهاً: فقد أثبتت قوات الميليشيات الشيعية فعاليتها في ساحة المعركة، لكن عناصر من الشبكات نفسها أصبحت فيما بعد مصادر لعدم الاستقرار، بما في ذلك الهجمات على المواقع الأمريكية.
الدرس المتكرر هو أنه حتى لو نجحت القوات الوكيلة عسكرياً، فنادراً ما تُحقق نتائج سياسية مستدامة. فهي تقمع التهديدات دون معالجة الفراغات الإدارية ونقص الشرعية التي تستغلها الحركات الجهادية عادة.
وضمن هذا السياق، تخاطر سوريا الآن بقلب هذا النمط - أي افتراض أن نقل المسؤولية إلى الدولة سيؤدي إلى النجاح حيث فشلت نماذج الوكلاء.
لماذا الدولة السورية الآن؟
وفقاً لـ "نيو لاينز" يكمن جزء من الدافع وراء اعتبار الدولة السورية فاعلاً محتملاً لمواجهة "داعش" في خلفية نخبتها الحاكمة الجديدة. فقد انبثقت "جبهة النصرة"، التي عُرفت لاحقاً باسم "هيئة تحرير الشام"، من نفس البيئة الأيديولوجية لتنظيم "القاعدة" التي أنتجت "داعش" قبل أن تنقسم الحركة الجهادية إلى تيارات متنافسة.
ويلفت المعهد البحثي إلى أن هذا الانقسام لم يكن عقائدياً فحسب، بل كان عنيفاً أيضاً، وتميز بمواجهة مستمرة بين المشاريع الجهادية المتنافسة.
بعد طردها من شرق سوريا وتوطيد سيطرتها على جيب إدلب، عدّلت "هيئة تحرير الشام" نهجها تجاه "داعش". بدلاً من التوسع الإقليمي، جمعت سوريا بين حملات أمنية علنية وجهود استخباراتية سرية ضد خلايا التنظيم، شملت التسلل والاعتقالات والاغتيالات المستهدفة ومحاولات تفكيك الشبكات الموالية للتنظيم داخلياً. وقد أدى هذا المسار إلى ظهور قيادة تتمتع بفهم دقيق لأيديولوجية التنظيم وأساليب تجنيده ونقاط ضعفه الداخلية.
وبعد سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد، برز القائد السابق لهيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، كسلطة مركزية قادرة على حشد قواعد سنية واسعة.
بحسب "نيو لاينز"، تفسر هذه العوامل مجتمعة سبب اعتبار الدولة السورية اليوم تمتلك مزايا نسبية محتملة في مواجهة شكل تنظيم "داعش" ما بعد الخلافة، على الرغم من المخاطر السياسية التي ينطوي عليها هذا النهج.
لا تكمن أهمية الانتهاكات بحق الأقليات والحوادث الطائفية في سعي "داعش" إلى كسب التأييد بل في إحداثه فوضى تُرهق الأمن والحكم
القدرة ليست شرعية
يرى المعهد البحثي أن قدرة حكام سوريا الجدد على مواجهة التنظيم عملياً لا تمنحهم التميز في حد ذاتها، فالقدرة العسكرية قادرة على قمع العنف، لكنها لا تُؤدي تلقائياً إلى استقرار دائم.
ويلفت المعهد البحثي في مقاله إلى أن سلطة الشرع تُستمد أساساً من دوره في إسقاط نظام الأسد وليس من عملية سياسية شاملة أو بناء مؤسسات راسخة، مشيراً إلى أن قاعدته الشعبية الأساسية لا تزال مُركزة بين الدوائر السنية المحافظة التي عانت من "التهميش" طويلاً في عهد الأسد، إلى جانب الفصائل المسلحة المتحالفة معها، وهو أساس غير متكافئ بطبيعته للحكم الوطني.
وقد أدى هذا الخلل إلى ظهور إشارات متضاربة. فقد وُصف مرسوم الشرع الصادر في كانون الثاني /يناير 2026، والذي منح الأكراد السوريين حقوقاً ثقافية ولغوية، على نطاق واسع بأنه خطوة تاريخية، وحظي بترحيب دولي، حتى مع بقاء التنفيذ والمتابعة السياسية غير مؤكدين - على النقيض من ذلك، عززت أحداث سابقة كـ "عجزه عن كبح" جماح المسلحين المتحالفين معه خلال أعمال العنف في المناطق العلوية في آذار/مارس 2025، وتعبئة القوات القبلية في السويداء في وقت لاحق من ذلك العام - تصورات الانتقائية في الإندماج.
وبحسب "نيو لاينز"، تُعقّد هذه التناقضات عملية الاندماج، وتحدّ من قدرة الدولة على اكتساب شرعية واسعة النطاق.
يستغل تنظيم "داعش" هذه الثغرات في الشرعية تحديداً. فبينما يتجاهل حقوق الأقليات والمعايير الديمقراطية، يسعى التنظيم بنشاط إلى تقويض الثقة في السلطات المنافسة.
ففي افتتاحية حديثة في صحيفة "النبأ"، ذراع التنظيم الدعائي، صُوِّر الشرع على أنه لا يختلف عن "الطغاة" السابقين، في خطاب يهدف إلى تشويه سمعة حكمه واستقطاب الجهاديين المترددين إلى صفوفه. بالنسبة للتنظيم، يُعدّ زعزعة الشرعية بنفس أهمية استغلال الفوضى.
ولا يُعدّ هذا تكراراً لظهور التنظيم السابق، الذي كان متجذراً في استغلال مشاعر الإقصاء لدى السنة. إن حكم السنة في دمشق يرفع سقف طموحات "داعش" في حشد السنة عبر خطاب "الإقصاء" المألوف، لكنه لا يغلق منافذه.
وبيّن المقال أن التنظيم لا يسعى حالياً إلى دعم سني واسع النطاق للعمل، بل يحتاج إلى حالة من عدم الاستقرار، وضعف المؤسسات، ومساحة أيديولوجية على الهامش، موضحاً: "لا تكمن أهمية الانتهاكات بحق الأقليات والحوادث الطائفية في سعي التنظيم إلى كسب التأييد، بل في إحداثه فوضى تُرهق الأمن والحكم".
وتابع: "داخل الدوائر السنية، يركز التنظيم على تشويه سمعة القيادة الجديدة بدلاً من استبدالها، مستهدفاً العناصر المحافظة بتصوير الشرع على أنه طاغية، أو كافر، أو غير كفؤ".
وأضاف: في الوقت نفسه، تُشكل الثغرات في العدالة، والرقابة على الاعتقالات، والحكم المحلي، نقاط دخول عملية للجماعة الجهادية.
الشبكات لا الأراضي
تعكس استراتيجية "داعش" ما بعد الخلافة تحولاً من السيطرة على الأراضي إلى الأفراد والشبكات اللامركزية. فبعد هزيمته العسكرية في العراق وسوريا، ابتعد التنظيم عن تكاليف الحكم، واتجه نحو التجنيد اللامركزي، والإلهام الأيديولوجي، والعنف الانتقائي.
وبدلاً من إعادة بناء الهياكل الهرمية، يستغل "داعش" الآن المظالم المحلية، والتوترات الطائفية، وأنظمة الاحتجاز، والتفكك الاجتماعي، لاستعادة نفوذه دون الوصول إلى عتبة المواجهة العسكرية المستمرة.
وباستحضار هجمات شاطئ بوندي بأستراليا، بالإضافة إلى الهجمات ومحاولات الهجمات في سوريا، فقد تبناها "داعش" بشكل ضعيف أو لم يتم نسبها إلى أي جهة، على الرغم من التوافق الأيديولوجي الواضح.
وحول هذا، كشف المعهد البحثي أن هذا الغموض مقصود - إذ يُصوّر "داعش" الولاء بشكل متزايد على أنه رابطة دينية بدلاً من رابطة تنظيمية، مما يسمح له بإلهام العنف دون مسؤولية قيادة وسيطرة مباشرة. وتوفر الجماعات الواجهة والجهات الفاعلة ذات الانتماءات غير الرسمية مسافة مع توسيع نطاق نفوذها.
وفي هذا السياق، يرى "نيو لاينز" أن قمع الهجمات لا يعني تحييد التهديد. فما دامت أوجه القصور في الشرعية والمظالم العالقة قائمة، فإن تنظيم "داعش" يحتفظ بقدرته على إعادة البناء بهدوء وتدريجياً، وخارج نطاق معايير مكافحة الإرهاب التقليدية.
الدولة التي تعجز عن دمج مختلف الفئات وتنظيم الجهات المسلحة المتحالفة معها أو ترسيخ السلطة تُخاطر بإعادة إنتاج فراغات الشرعية التي يستغلها "داعش"
اختبار الشرع
إلى جانب البنية التحتية للاحتجاز، ولا سيما إدارة معتقلي "داعش" والإشراف على السجون، لا تزال التحديات المؤسسية الأوسع نطاقاً في سوريا قائمة دون حل. فهياكلها الأمنية والعسكرية لا تزال في طور الانتقال من منطق التمرد والجيوب المعزولة إلى حوكمة أمنية على المستوى الوطني.
كذلك، يتطلب احتواء "داعش" بفعالية تنسيقاً استخباراتياً احترافياً، وآليات رقابية، وتعاوناً بين الأجهزة الأمنية، وهي قدرات لا يمكن ارتجالها من خلال شرعية ثورية أو سيطرة مؤقتة.
وبحسب المعهد البحثي، هذه ليست ثغرات تقنية، بل سياسية: إخفاقات في التصميم المؤسسي تُشكّل بشكل مباشر البيئة التي يسعى "داعش" من خلالها إلى إعادة بناء شبكاته.
وضمن هذا التصور، يعتقد "نيو لاينز" أن الانتقال من حركة مسلحة إلى سلطة حاكمة، يمثل اختباراً حاسماً للقيادة السورية الجديدة. إن التجارب السابقة المستقاة من إدلب، حيث سيطرت "هيئة تحرير الشام" قبل الإطاحة بالأسد "مضللة". هناك، حكم الشرع وميليشياته جيباً صغيراً نسبياً ومتماسكاً اجتماعياً في ظل ظروف تهديد خارجي مستمر.
ويلفت "نيو لاينز" إلى أن إدارة سوريا ككل تمثل تحدياً مختلفاً جوهرياً، يتسم بالاتساع الجغرافي والتنوع الاجتماعي والمظالم السياسية العالقة.
على الصعيد الوطني، لا يعتمد التصدي لتنظيم "داعش" على الإكراه بقدر ما يعتمد على إدارة التعددية، وبناء المساءلة المؤسسية، وبسط سلطة شاملة في المناطق المتنازع عليها.
هذه الأبعاد ليست مكملة للأمن، بل تشكل الإطار العملي الذي يتم من خلاله تحييد روايات التنظيم أو تعزيزها.
وبهذا الصدد، يرى "نيو لاينز" أن الدولة التي تعجز عن دمج مختلف الفئات، وتنظيم الجهات المسلحة المتحالفة معها، أو ترسيخ السلطة، تُخاطر بإعادة إنتاج فراغات الشرعية التي يستغلها "داعش".
ومن هذا المنطلق، فإن التحدي القيادي الذي يواجه الشرع هيكلي وليس شخصي. إن نجاح أو فشل هذه المرحلة الانتقالية سيحدد مستقبل تنظيم "داعش" في سوريا بشكل أكثر حسماً من الموقف الأيديولوجي أو نتائج المعارك.
ما ينبغي على واشنطن مراقبته؟
يحمل تحول واشنطن التدريجي عن مكافحة الجهادية عبر كيانات غير حكومية مزايا محتملة، بما في ذلك تصور حياد أكبر لدى المجتمعات التي افتقرت فيها هذه الكيانات غير الحكومية إلى الشرعية لفترة طويلة. كان هذا التوجه واضحاً في أجزاء من شمال شرق سوريا، حيث تزايد السخط على إدارة قوات سوريا الديمقراطية "قسد". ومع ذلك، فبدلاً من التركيز على النتائج الأمنية المباشرة، سيعتمد قياس فعالية النهج الذي يركز على الدولة على الظروف طويلة الأجل.
السؤال الأساسي ليس ما إذا كانت الدولة تحل محل الجهات الفاعلة غير الحكومية، بل ما إذا كانت تعمل بطرق تحد من عدم الاستقرار الذي يمنح الجماعات المتمردة مساحة للنمو.
وتشمل المعايير ذات الصلة قدرة الدولة على إدارة الاحتجاز بشفافية، وتنظيم الجهات المسلحة المتحالفة معها، وتخفيف حدة التوترات الطائفية من خلال إشراك الأقليات، والحفاظ على الحوكمة الأساسية في مختلف المناطق.
في المقابل، ينبغي أن تكون الاشتباكات المحلية المتكررة، والعنف الطائفي، أو التشرذم داخل الهياكل الأمنية بمثابة مؤشرات تحذيرية على الفوضى التي يسعى "داعش" إلى استغلالها.
يعتمد احتواء "داعش" على ما إذا كانت المكاسب الأمنية مقترنة بتطوير مؤسسي ورفع مستوى كفاءة القوات ووضع أطر سياسية توفر التمثيل والعدالة الموثوقة
الاحتواء
لقد أُضعف تنظيم "داعش" عسكرياً من قبل، ومع ذلك عاد. لم يكن الدافع وراء عودته ديناميكيات ساحة المعركة بقدر ما كان غياب الشراكة والحوكمة الفعالة.
ويرى المعهد أن ربط انخراط الولايات المتحدة مع السلطات السورية الجديدة بأداء دمشق في مكافحة "داعش" فقط يُنذر بتكرار هذا النمط، مما يزيد من قدرة شبكات التنظيم الجهادي على إعادة التنشيط.
يعتمد احتواء "داعش" على المدى الطويل على ما إذا كانت المكاسب الأمنية مقترنة بتطوير مؤسسي، ورفع مستوى كفاءة القوات، ووضع أطر سياسية توفر التمثيل والعدالة الموثوقة.
هذه العوامل تُشكل الرواية المضادة التي يسعى "داعش" إلى تقويضها.
وبالنسبة لواشنطن، السؤال المحوري ليس من يُحارب "داعش" اليوم، بل ما إذا كانت الظروف التي يجري تعزيزها ستمنع عودته غداً.


